من بين الكلمات القرآنية التي تحمل شحنة دلالية عميقة وتتجاوز حدود اللفظ العابر كلمة "الغيّ"....
جماليات علم مقارنة السور والمتشابهات في القرآن الكريم

“الغيّ” بين التيه والضلال

من بين الكلمات القرآنية التي تحمل شحنة دلالية عميقة وتتجاوز حدود اللفظ العابر كلمة “الغيّ”. فهي ليست مجرد توصيف للخطأ أو الزلل، بل هي رسم لصورة الانحراف التام عن جادة الحق، والسقوط في مهاوي الباطل بلا رجعة إلا بتوبة نصوح. يقول الله تعالى: “فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا”[مريم: 59].

المعنى اللغوي للغيّ

الغيّ في اللغة ضدّ الرشد. وهو يدل على الانحراف والضلال، وعلى فساد الرأي حين يبتعد صاحبه عن الصواب. وقد ورد في معاجم اللغة أن “الغَيَّ” هو اتباع الهوى المردي، والذهاب في غير الطريق القويم. ومن هنا يتضح أن الكلمة ليست محصورة في معنى واحد، بل تشمل كل ميلٍ مقصودٍ عن الحق، سواء في الفكر أو في السلوك أو في العقيدة.
وقد ذكر ابن فارس أن أصل الكلمة يدل على “خطأ مع علم”، أي أن الغيّ يغاير الخطأ العارض، إذ هو انحراف مع سبق إصرار، أو اختيار للطريق المعوج عن وعي وإدراك.

الغيّ في القرآن الكريم

لم ترد كلمة “الغيّ” في القرآن إلا مرات قليلة، لكن ورودها جاء مشحونًا بالوعيد والرهبة. ففي آية سورة مريم اقترن الغيّ بأعظم تقصير وهو تضييع الصلاة، التي هي عماد الدين، ثم اتباع الشهوات التي تعصف بإرادة الإنسان وتجعله عبدًا لنزواته. وهذا التلازم بين تضييع الصلاة واتباع الشهوات يكشف أن الغيّ ليس مجرد انحراف خارجي، بل هو ثمرة لانفراط العقد الداخلي الذي يربط العبد بربه.
كما ورد اللفظ في قصة موسى مع فرعون: “فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا وَمَنْ هُوَ فِي غَيّ”﴾[طه: 85]، ليصف حالة القوم الذين ضلوا عن عبادة الله إلى عبادة العجل. وهنا يظهر الغيّ في بعده العقدي، حيث يصل الإنسان إلى قمة الانحراف حين يبدّل التوحيد بالشرك.
أقوال المفسرين
أجمع المفسرون على أن الغيّ هو الضلال والانحراف، لكنهم توسعوا في بيان الآية الكريمة من سورة مريم. فقال ابن عباس: “الغيّ وادٍ في جهنم بعيد القعر، خبيث الطعم، شديد الحرّ، أعدّه الله لمن أضاع الصلاة واتبع الشهوات”. وقال مجاهد: “الغيّ الخسران”، وقال قتادة: “الغيّ شرّ، والغيّ عذاب”.
أما القرطبي فقد جمع بين الأقوال، مبينًا أن الغيّ قد يكون اسمًا لعذاب مخصوص في الآخرة، وقد يكون وصفًا لحال الانحراف في الدنيا، وكلاهما مراد، لأن من ضيّع الصلاة واتبع الشهوات استحقّ الضلال في الدنيا والعذاب في الآخرة.

البعد الوعظي والتحذيري

إن المتأمل في الكلمة يدرك أنها جرس إنذار لكل من تراخى في حق الله، أو سمح لشهواته أن تقوده بعيدًا عن نور الصلاة. فالغيّ ليس لحظة ضعف عابرة، وإنما مسار مستمر من الإهمال والانسياق، حتى يصبح صاحبه غارقًا في وادٍ سحيق من الظلمة. وهذا ما عبّر عنه بعض العلماء بقولهم: “من لم يحفظ الصلاة لم يحفظه شيء”.
ولذلك كان السلف الصالح يعدّون المحافظة على الصلاة صمام الأمان من الغيّ، إذ قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “لا حظّ في الإسلام لمن ترك الصلاة”. فهي الحاجز الأعظم بين العبد وسبيل الضلال.

الغيّ بين الفرد والمجتمع

ولا يقتصر أثر الغيّ على صاحبه وحده، بل يمتد إلى المجتمع بأسره. فحينما يشيع تضييع الصلاة، وتغلب الشهوات على القلوب، يتحول المجتمع إلى ساحة غيّ جماعي، تضيع فيها القيم ويُستبدل الحق بالباطل. وهنا يظهر البعد الاجتماعي للكلمة، فالقرآن إذ يحذّر من الغيّ الفردي، ينبه كذلك إلى خطورة الغيّ الجماعي الذي قد يورد الأمة موارد الهلاك.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
عبد الله بن المبارك..
عبد الله بن المبارك من أعظم علماء المسلمين في عصر تابعي التابعين، وقد جمع بين العلم والعبادة والجهاد...
المزيد »
المقاصد الخمس الكبرى..
حين رسم علماء المقاصد خارطتهم الجامعة للشريعة، جاءت متمحورة حول خمس كليات كبرى هي بمثابة أعمدة الفلك...
المزيد »
دعاء الاستفتاح.. همسةٌ ضاعت في مطلع الصلاة
دعاء الاستفتاح هو ما يُقال بعد تكبيرة الإحرام وقبل البسملة والفاتحة، وهو سنة مؤكدة ثبتت بأحاديث صحيحة...
المزيد »
أورنك زيب..
كان محيي الدين محمد أورنك زيب مزيج نادر يجمع بين ثقل الملك وخشوع المصلي وصرامة الفقيه وصبر المحارب، وُلد...
المزيد »
التواضع.. خلق عظيم يرفع مكانة المسلم بين الناس
التواضع من أعظم الصفات التي دعا إليها الإسلام، وهو خلق نبيل يعكس نقاء القلب وصفاء النفس، ويجعل الإنسان...
المزيد »
الاجتهاد أساس استنباط الأحكام ومواكبة قضايا الحياة المعاصرة
الاجتهاد من أهم الخصائص التي تميزت بها الشريعة الإسلامية، فهو الوسيلة التي يتمكن بها العلماء من استنباط...
المزيد »
ضرار بن الأزور.. الفارس الذي كان يقتحم الموت ضاحكًا
كان ضرار بن الأزور واحدًا من الأسماء التي صنعت من البطولة سيرةً تتجاوز حدود التاريخ، كما كان من أولئك...
المزيد »
توجيه الخطاب الديني لقضايا الأسرة
الأسرة هي اللبنة الأساسية في بناء المجتمع، فإذا صلحت الأسرة صلح المجتمع كله، وإذا تفككت ضعفت الروابط...
المزيد »
ذكاء الداعية وفطنته أساس نجاحه في تبليغ رسالته 
الدعوة إلى الله من أعظم المهام التي يقوم بها الإنسان، فهي رسالة الأنبياء والمرسلين، ووسيلة هداية الناس...
المزيد »
حقيقة انتشار الإسلام بالحكمة والعدل
شبهة انتشار الإسلام بالسيف من أكثر الشبهات التي يرددها بعض المشككين في الدين الإسلامي، وقد ظهرت هذه الفكرة...
المزيد »
الوجودية عند جان بول سارتر وأثرها في الفكر الإنساني المعاصر
كان سارتر يرى أن الإنسان يولد بلا غاية محددة أو طبيعة ثابتة، ثم يقوم بنفسه بصنع شخصيته وتحديد أهدافه...
المزيد »
الصدقُ العاطفي في الخطبة..
في كل جمعة، يصعد الخطيب المنبر وأمامه حشدٌ من الوجوه المتباينة في أحوالها وأعمارها وما تحمله من هموم...
المزيد »
العِلمُ شرطُ الشهادة..
ثمة آيةٌ في كتاب الله تعالى تقف أمامها متأملاً فتُدهشك في كل مرة بعمقها وسموّ دلالتها، وهي قوله جل وعلا...
المزيد »
آراء العلماء المعاصرين
يرى جمهور كبير من العلماء المعاصرين جواز إخراج الزكاة وتحويلها عبر المنصات الإلكترونية والتطبيقات البنكية،...
المزيد »
الطلاق السني والبدعي عند الإمام أبي حنيفة
الطلاق من الأحكام الشرعية التي نظمها الإسلام بدقة؛ حفاظا على استقرار الأسرة وتقليل آثار الانفصال السلبية،...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك