![]()

آلات العلم
لا ينبغي أن تختلط عليك الأمور، فلو رأيت عالما أو غيره يخالف الشرع، فلا اعتبار لمخالفته، ولا اتباع لقوله، وإنما الواجب عليك رفض فعله، ونبذ قوله، واتباع شرع الله تعالى فالحق أحق أن يتبع.
في ظل السباق المحوم بين المنصات على نقل وتداول الأخبار وجذب الانتباه، تحولت بعض القضايا الأخلاقية تُتناول من كونها استثناءً صادمًا، إلى مادة يومية تُقدَّم بإلحاح، وتُعاد صياغتها بعناوين مثيرة، حتى غدت الفاحشة خبرًا مألوفًا، لا يوقظ في النفوس ذلك الوجل الفطري، ولا يثير في الضمائر ما كان يثيره من قبل من إنكار واشمئزاز. وهنا تكمن الخطورة، حيث تفقد القيم حسّها، ويتبلّد الشعور العام، ويصبح الانحدار الأخلاقي أمرًا عاديًا لا يُستغرب.
فالإصرار على نشر تفاصيل الجرائم الأخلاقية، خصوصًا تلك التي تمسّ الحياء العام أو تخدش الفطرة السليمة، لا يقف عند حدود “نقل الخبر”، بل يتجاوزه – في كثير من الأحيان – إلى إعادة إنتاجه في وعي الناس، فالإفراط في تداول الفاحشة، ووصفها بتفاصيلها، وتكرار عرضها في سياقات مختلفة، يؤدي إلى تطبيعها نفسيًا، حتى وإن كان ظاهر الطرح يحمل نبرة الاستنكار، ذلك أن النفس البشرية تألف ما يتكرر أمامها، وتعتاد ما يُعرض عليها بكثافة، فيضعف شعور الصدمة، وتخبو جذوة الرفض.
وليس هذا المعنى غريبًا عن التصور الإسلامي، بل هو أصل راسخ في التوجيه القرآني، حيث يقول الله تعالى: “إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة“. فمجرد “حب إشاعة الفاحشة” – لا ارتكابها فحسب – يُعد جريمة أخلاقية تستوجب الوعيد، لما في ذلك من إفساد لضمير المجتمع، وتهوين للمنكر، وتجرئة للنفوس الضعيفة على اقترافه. إن الإسلام، في جوهره، لا يكتفي بمحاربة الفعل المنحرف، بل يسعى إلى حماية البيئة النفسية والاجتماعية التي قد تُمهّد له أو تُروّج له.
ومن أخطر ما يترتب على نشر هذا النوع من الجرائم، أنه يُحدث تشوّهًا في سلّم القيم، حيث تختلط الحدود بين الطبيعي والشاذ، وبين المقبول والمرفوض. فحين يُعاد طرح جرائم كبرى – كجرائم الاعتداءات الأسرية أو ما يُعرف بزنا المحارم – في سياق خبري متكرر، دون ضوابط صارمة في العرض والمعالجة، فإنها تنتقل من دائرة “الصدمة النادرة” إلى دائرة “الاحتمال الوارد”، ومن ثم إلى “النمط المتداول”، وهو انحدار خطير في وعي المجتمع.
كما أن هذا النمط من التغطية الإعلامية يُغذي نزعة الفضول المرضي لدى بعض المتلقين، فيتحول الخبر من مادة للعبرة إلى مادة للإثارة، ومن وسيلة للتحذير إلى وسيلة للتسلية الخفية، ومع الوقت، يتكوّن لدى شريحة من الجمهور نوع من الإدمان على متابعة هذه الأخبار، بما تحمله من تفاصيل صادمة، فيُصبح البحث عن “الأكثر غرابة” و”الأشد انحرافًا” دافعًا خفيًا لاستهلاك المحتوى، وهو ما يعمّق الأزمة بدلًا من معالجتها.
ولا تقف الأضرار عند حدود الأفراد، بل تمتد إلى البنية الاجتماعية بأكملها؛ إذ يُسهم هذا النشر غير المنضبط في تقويض الثقة داخل الأسرة، وإثارة الشكوك، وزرع الخوف في النفوس، خصوصًا حين تُطرح الجرائم المرتبطة بالمحيط الأسري دون سياق تربوي أو توعوي يضعها في إطارها الصحيح، كما أنه يفتح الباب أمام محاكاة سلوكية لدى بعض المنحرفين أو المضطربين نفسيًا، الذين قد يجدون في هذه القصص ما يوقظ نزعاتهم الكامنة.
من هنا، تبرز الحاجة الملحّة إلى إعادة النظر في معايير النشر الإعلامي، ووضع ضوابط مهنية وأخلاقية واضحة تحدد كيفية تناول هذا النوع من القضايا، فليس كل ما يُعرف يُقال، وليس كل ما يُقال يُنشر، وليس كل ما يُنشر يُفصّل.
إن المسؤولية الإعلامية تقتضي تقديم الخبر في حدوده الضرورية، دون الخوض في التفاصيل المثيرة، مع التركيز على البعد التوعوي والتحليلي، لا الاستعراضي.
كما أن الحاجة باتت ملحّة لسنّ تشريعات تُلزم المؤسسات الإعلامية بمعايير صارمة في تغطية الجرائم الأخلاقية، بما يحفظ كرامة المجتمع، ويمنع تحويل الانحراف إلى مادة رائجة. وهذه التشريعات لا تهدف إلى تقييد حرية الصحافة، بقدر ما تسعى إلى توجيهها نحو أداء دورها الحقيقي: حماية الوعي، لا استغلاله.
وفي المقابل، لا يقل دور الجمهور أهمية عن دور الإعلام؛ فالمتلقي الواعي هو خط الدفاع الأول في مواجهة هذا الانفلات، فالانصراف عن متابعة هذا النوع من الأخبار، وعدم التفاعل معها أو تداولها، يُسهم في تقليص حضورها، ويُفقدها قيمتها السوقية. فالإعلام – في نهاية المطاف – يستجيب لما يطلبه الجمهور، ويغذّي ما يُقبل عليه.
إن معركة القيم لا تُخاض بالسلاح، بل بالكلمة والصورة والتكرار، فإذا كانت الفاحشة تُروَّج بالتكرار، فإن الفضيلة أولى بأن تُروَّج به. وإن كان الانحراف يجد من يضخّمه، فإن الاستقامة تحتاج إلى من يُبرزها ويُحييها في النفوس. وبين هذا وذاك، يبقى الإعلام سيفًا ذا حدين: إما أن يكون حارسًا للوعي، أو شريكًا – عن غير قصد – في تآكله.

لا ينبغي أن تختلط عليك الأمور، فلو رأيت عالما أو غيره يخالف الشرع، فلا اعتبار لمخالفته، ولا اتباع لقوله، وإنما الواجب عليك رفض فعله، ونبذ قوله، واتباع شرع الله تعالى فالحق أحق أن يتبع.

الهوية الإسلامية نسيج متكامل تتشابك فيه العقيدة مع السلوك، والتاريخ مع الحاضر، والقيم مع المظاهر. إنها الروح التي تحفظ للأمة توازنها، وتحمي ذاكرتها من التآكل، وتصون موروثها من الذوبان في تيارات العولمة الجارفة. وإذا كانت الأمم تُقاس بمدى تمسكها بجذورها، فإن الأمة الإسلامية إنما تستمد قوتها من رسوخ هويتها التي صنعت حضارتها ووجّهت مسيرتها عبر القرون.

لم يعد الخطاب الديني اليوم معزولًا عن التحولات الكبرى التي يشهدها العالم، وفي مقدمتها التحول الرقمي الذي أعاد تشكيل أنماط التواصل، وطرق إنتاج المعرفة، وأساليب التأثير في الوعي الفردي والجماعي. فقد انتقلت المنابر من المساجد وقاعات الدرس إلى الفضاء الرقمي، وأصبح الخطاب الديني حاضرًا في الهواتف الذكية، ومنصات التواصل الاجتماعي، والبث المباشر، مما فرض واقعًا جديدًا يستدعي فهمًا أعمق لدور هذا الخطاب وحدوده ومسؤوليته.

لا يمكن أن يبقى القول حبيس سياقه، ولا الفكرة أسيرة بيئتها الأولى، بل إن العبارات تُقتطع من جذورها، وتُتداول في فضاءات واسعة دون تمحيصٍ كافٍ لمصدرها أو خلفيتها، وفي هذا المشهد المتشابك، يبرز سؤال دقيق يتصل بسلامة المنهج قبل جمال العبارة: هل كل ما صحّ معناه يُؤخذ، ولو صدر عن غير أهل السنة أو عُرف قائله بالبدعة والانحراف؟

لم يكن الخلاف العقدي في تاريخ المسلمين، في جوهره، ساحة صراع وجودي بقدر ما كان ميدانًا لاجتهادات علمية نشأت في سياقات فكرية متباينة، وتفاعلت مع تحديات عصرها، وعبّرت عن تنوّع في طرائق البيان والدفاع عن أصول الدين.

في السنوات الأخيرة، أخذ مشهد التلاوة القرآنية يتبدّل على مهل، لا بضجيجٍ ظاهر، بل بانزياحٍ خفيٍّ في الذائقة، وانحرافٍ تدريجي في بوصلة الأداء، إذ لم يعد السؤال المطروح: كيف يُتلى القرآن بصدقٍ وخشوع؟ بل صار: على أي مقامٍ تُؤدَّى هذه الآية؟ وأي انتقالٍ لحنيٍّ يُرضي السامعين؟ هنا تبدأ الإشكالية، وهنا يتسلّل الخطر.
والحقيقة أن مدارس التلاوة الكبرى قد نشأت على الفطرة السليمة، لا على القوالب الجاهزة، حيث كان القارئ يسمع القرآن بقلبه قبل أذنه، ويتفاعل معه وجدانًا قبل أن يصوغه صوتًا.



