![]()
مشاعرك تجاه الآخرين تجتاج إلى تمحيص فأعيدي ترتيب أولوياتك
- الأسرة المسلمة
- تفسير الأحلام
- يفسرها في ضوء الكتاب والسنة
- / محمد طاهر
محمد الشرشابي
مشاعرك تجاه الآخرين تجتاج إلى تمحيص فأعيدي ترتيب أولوياتك
- تفسير الأحلام
هذا الحلم أيّتها السائلة من الأحلام المركّبة التي تحمل في طيّاتها أكثر من طبقة، وتتشابك فيها الإشارات الروحيّة بالأبعاد النفسيّة تشابكاً يستدعي التأمّل والتأنّي قبل إصدار الحكم.
فأمّا الشقّة في عالم الرؤى فهي من الرموز الدالّة على الاستقرار والمأوى والمستقبل الموعود، وإذ كان الحلم يدور حول شقّةٍ لابنك فإنّ دلالتها تتّسع لتشمل مستقبل من تحبّين وما تتطلّعين إليه من تأمين أحوالهم وإعداد حياتهم. وكون الزميلات يُخفين عنكِ طريق الحجز ويتهامسن حتّى لا تُفيدك إحداهنّ، فهذا رمزٌ يحكي ما تختزنه النفس من شعورٍ بالإقصاء وكتمان الخير، سواءٌ أكان هذا الشعور مبنيّاً على وقائع ملموسة أم على حساسيّةٍ داخليّة تُضخِّم ما تقع عليه العين وتُسيء تفسير ما يدور حولها.
وثمّة في الحلم تفصيلٌ لافت، وهو أنّ الزميلة الثانية كادت أن تُعينك ثمّ تراجعت بعد همسة الأولى. وهذا يُشير إلى أنّ في محيطك من يودّ مساعدتك لكنّه يتوقّف خشيةَ من هو أقوى منه تأثيراً أو أشدّ حضوراً. وفي هذا تنبيهٌ لطيف بألّا تُغلقي قلبك على الجميع بسبب موقف البعض، فليس كلّ من صمت صمتَ عدوٍّ، وربّما كان الصامت مقيَّداً لا منحازاً.
أمّا المشهد الثاني وهو أجمل ما في الرؤيا وأبلغه، فحين أرسلتك الصديقة إلى ذلك المسؤول وعرضتِ عليه شكواك، فقال لك: “ليس هناك دليلٌ قاطع”، وحين أجبتِه بأنّك واثقة، قال لك: “فوضِّي أمرك لله”. هذان الجملتان بالغتا الأثر، وفيهما من الحكمة ما يجعلهما أثمن ما جاء به حلمك كلّه.
فأمّا “ليس هناك دليل قاطع” فهي جملةٌ تدعوكِ إلى التثبّت والتأنّي، وأن لا تبني على مجرّد الإحساس والظنّ حكماً قاطعاً على أحد. والظنّ وإن كان صادقاً أحياناً إلّا أنّه لا يبلغ مبلغ اليقين، ومن بنى موقفه من الناس على الظنّ وحده أجهد نفسه وأتعب قلبه ولم يصل في الغالب إلى حقيقةٍ مستقرّة. والحلم إذ يُذكِّرك بهذا إنّما يُحرِّرك من أن تكون أسيرة شكوكٍ تستنزفك من الداخل وتصرفك عن بناء ما ينفعك وما ينفع من تحبّين.
وأمّا “فوضِّي أمرك لله” فهي الكلمة التي كان ينبغي أن تكون مطلع الحلم قبل ختامه، وهي ليست دعوةً إلى الاستسلام والكسل بل هي دعوةٌ إلى أعلى درجات الفاعليّة، وهي أن تبذلي ما تستطيعين ثمّ تتركي ما لا تستطيعين بيد من لا يُفوته شيء. فالتفويض لله ليس تخلّياً عن الحقّ بل هو إيداعه عند خير من يحفظه، وهو حين يصدر من ذي شأنٍ في الحلم فإنّه يحمل وزن النصيحة الرشيدة التي لو أخذتِ بها في يقظتك أرحتِ قلبك وأحسنتِ مسيرك.
والنصيحة التي يُوحي بها هذا الحلم في مجمله أن تُعيدي ترتيب أولويّاتك الداخليّة؛ فبدلاً من إنفاق الطاقة في رصد من يُخفي عنكِ ومن يتآمر عليكِ ومن يكرهكِ، وجِّهي تلك الطاقة نحو السعي الحثيث في الأسباب التي بيدك، مع التحرُّر من وهم أنّ الخير موقوفٌ على طريقٍ بعينها أو أنّه لا يصل إلّا بمن تُعيّنهم أنتِ. فربّما كان الله يُعدُّ لك ولابنك طريقاً لا تخطر على بال، وإخفاء من أخفوا ليس إلّا إبعاداً عن طريقٍ لتُهيَّأ لك طريقٌ أوسع منها وأبرك.
وفيما يخصّ من تشعرين بكرهها وأذاها، فأمانة القول تقتضي التنبّه إلى أنّ مشاعر الكره والحسد التي نُحسّها تجاه الآخرين تحتاج دائماً إلى التمحيص، لأنّ النفس حين تكون في حالة قلقٍ وتوتّر تميل إلى تفسير المحايد على أنّه عدائيٌّ، وتقرأ الموقف البارد على أنّه كيدٌ مبيَّت. فاستعيني بالتأمّل والاستغفار والدعاء، واستعيذي بالله من كلّ سوء سواءٌ أكان في الخارج أم في داخل نفسك، ثمّ أحسني الظنّ بالله في رزقك وفي مستقبل ابنك، فإنّ الله لم يُفوِّت على أحدٍ رزقه بكيد كائدٍ ولم يقطع عن أحدٍ خيراً قدَّره له بغدر حاسد.
- كلمات مفتاحية | الإقصاء والكيد, الحسد في العمل, الظنّ وحسن النيّة



