![]()
استعن بالله وتدرج في رسم طبيعة العلاقة
- الأسرة المسلمة
- استشارات عائلية
- يوجه بها وفق رؤية دينية واجتماعية
- الكاتب الصحفي
- / محمد الشرشابي
محمد الشرشابي
استعن بالله وتدرج في رسم طبيعة العلاقة
- استشارات عائلية
أيّها الأخ الكريم، ما تصفه يدلّ على رجلٍ يملك بصيرةً نافذة ووازعاً دينيّاً قويّاً، وهذان الأمران هما أثمن ما يملكه المرء في مواجهة ما تمرّ به. وإنّ قرارك بوضع حدٍّ لهذا الوضع قبل أن يتفاقم ليس تنكُّراً للمحبّة بل هو أرقى تجلّياتها، لأنّ المحبّة الحقيقيّة تحمي ولا تتساهل، وتُراعي الحرمات ولا تُجامل على حساب الدين والأخلاق.
وأوّل ما ينبغي أن يستقرَّ في وعيك هو أنّ ما تُحسّه من ضرورة التغيير صحيحٌ تماماً ومطابقٌ للشريعة والفطرة والعقل معاً. فالإسلام حين شرع الحجاب وحدّد آداب الخلوة والتعامل بين الجنسين لم يفعل ذلك لأنّ في الناس سوءاً بالضرورة، بل لأنّ الطريق حين تُغلق قبل أن يُحتاج إلى غلقها فذلك أسلم وأنجى. والنبيّ صلّى الله عليه وسلّم حين قال “لا يخلونّ رجلٌ بامرأة” لم يكن يتّهم الرجال ولا النساء، بل كان يقطع الطريق على الشيطان الذي يجد في التساهل الحسن النيّة ما يجد. ومن هنا فأنت على الجادّة تماماً، والحرجُ الذي تشعر به من ردود أفعال الأسر لا ينبغي أن يزعزع يقينك بصواب ما أقدمتَ عليه.
وأمّا ما تصفه من أنّ بعض هؤلاء الفتيات يُبدين ما يشبه الإعجاب العاطفيّ، فهذا أمرٌ يستحقّ وقفةً نفسيّة واعية. فالفتاة التي نشأت تجد في رجلٍ كبير دفءَ الأب وحنانَ المربّي ربّما تطوّر لديها ما يُعرف في علم النفس بالتعلّق الانتقاليّ، وهو تعلّقٌ يبدأ أبويّاً ثمّ يتلوّن بظلالٍ أخرى حين تبلغ الفتاة دون أن تعي هي نفسها ما يجري. وهذا لا يعني أنّ في الفتاة عيباً أو سوءاً بل يعني أنّها تحتاج إلى من يُساعدها على رسم هذه الحدود بشكلٍ واضح وحازم، وهذا بالضبط ما تفعله حين تُبعد نفسك وتُعيد رسم طبيعة العلاقة.
وفيما يخصّ الآباء والأمّهات الذين أساؤوا فهم موقفك، فالمشكلة هنا ليست في حجّتك بل في طريقة تقديمها. فأنت حين تقول لهم إنّ بناتهم كبرن ولا يمكنك أن تتعامل معهنّ كما كنت، فإنّ هذا الكلام وإن كان صحيحاً قد يُفهم خطأً، إذ يبدو كأنّك تُحمِّل الفتيات مسؤوليّة تغيُّر موقفك وهو ما قد يُزعج الأهل ويدفعهم إلى الدفاع عن بناتهم. والأجدى أن يكون الحديث عن نفسك لا عنهنّ، أي أن تقول إنّك أصبحتَ تُفضِّل أن تُراعي في التعامل آداب الإسلام بشكلٍ أكثر التزاماً مع البالغات، وأنّ هذا قرارٌ ديني شخصي لا علاقة له بمقدار محبّتك لهنّ.
كذلك فإنّ التدرّج في الابتعاد أجدى أحياناً من القطيعة المفاجئة التي تصدم الأسر. فبدلاً من أن تختفي فجأةً من حياتهم، احتفظ بالعلاقة الطيّبة مع الأسرة كاملةً، وخصَّص تعاملك المباشر للآباء والأمّهات، ووجِّه ما تُقدّمه من مودّةٍ ودعم نحو أبنائهم الصغار إن كان لهم أبناءٌ صغار، بحيث يرى الجميع أنّ المحبّة ما زالت موجودة لكنّها وجدت لها قناةً أكثر مناسبةً وأبعد عن الإشكال.
وآخر ما أودّ إضافته وهو ليس أقلّها أهميّة، أنّ وضوحك مع نفسك في هذا الأمر وإشهادك الله على نيّتك هو من أثمن ما تحتفظ به، وإنّ الله الذي يعلم ما في الصدور لن يُضيّع أجرَ من حفظ حرماته وصانها، حتّى وإن أساء الناس فهمه أو ظنّوا به خلاف ما هو عليه. فمن أرضى الله بسخط الناس أرضاه الله وأرضى عنه الناس يوماً، ومن راقب الله في السرّ وفي العلن كفاه الله ما أهمّه وما لم يهمّه.
- كلمات مفتاحية | آداب التعامل, التعلّق الأبويّ, الخلوة والمحارم



