استعن بالله وتدرج في رسم طبيعة العلاقة

Picture of محمد الشرشابي

محمد الشرشابي

رجاء إعداد سيرة مهنية مختصرة لوضعها مع مقالات الكاتب
ما تُحسّه من ضرورة التغيير صحيحٌ تماماً ومطابقٌ للشريعة والفطرة والعقل معاً. فالإسلام حين شرع الحجاب وحدّد آداب الخلوة والتعامل بين الجنسين لم يفعل ذلك لأنّ في الناس سوءاً بالضرورة، بل لأنّ الطريق حين...
استعن بالله وتدرج في رسم طبيعة العلاقة

استعن بالله وتدرج في رسم طبيعة العلاقة

س
 أنا رجلٌ تجاوزتُ سنَّ الشباب، ومن طبيعتي التي فُطرتُ عليها حبُّ الأطفال وملاطفتهم، وقد كنتُ على مرّ السنين مع أبناء المقرّبين منّي كالعمّ الحنون أو الأب البديل، يجدون عندي الدفء والمودّة ويُقبلون عليّ بعفويّة الأطفال البريئة. غير أنّ الزمن مضى وكبر هؤلاء الأطفال، وأصبحت الفتياتُ منهنّ فتياتٍ بالغات لهنّ ما للنساء من أحكام وحرمات، في حين أنّ طريقتهنّ في التعامل معي لم تتغيّر، إذ ما زلن يُقبلن عليّ بنفس العفويّة القديمة، بل إنّ بعضهنّ يصل إلى حدّ الملامسة في تعاملهنّ، وقد شعرتُ في بعضهنّ بما يشبه الإعجاب العاطفيّ بالرجل الأكبر، وليس مجرّد تعلّق بشخصيّة أبويّة. وقد لفتُّ نظرهنّ أكثر من مرّة بأسلوبٍ لطيف إلى أنّهنّ أصبحن آنساتٍ لا أطفالاً، وأنّ التعامل لا بدّ أن يتغيّر، لكنّ المسافة التي أحاول رسمها لا تُحترم. ومن جانبي، أُشهد الله أنّ قلبي لا يرى فيهنّ إلّا كالبنات، وأنّ ما يدفعني إلى وضع الحدود ليس إلّا تعظيمُ حرمات الله والوقوف عندها. لكنّ المشكلة أنّ آباء هؤلاء الفتيات وأمّهاتهنّ لم يفهموا هذا التغيّر في سلوكي وأخذوا يعتقدون أنّني لم أعد أُحبّ أبناءهم كما كنتُ في الماضي، وعجزتُ عن إقناعهم بأنّ ما أفعله هو في حقيقته أعمق صورٍ للمحبّة وأشرفها، لأنّها المحبّة التي تحمي ولا تُضرّ.
جــــ

أيّها الأخ الكريم، ما تصفه يدلّ على رجلٍ يملك بصيرةً نافذة ووازعاً دينيّاً قويّاً، وهذان الأمران هما أثمن ما يملكه المرء في مواجهة ما تمرّ به. وإنّ قرارك بوضع حدٍّ لهذا الوضع قبل أن يتفاقم ليس تنكُّراً للمحبّة بل هو أرقى تجلّياتها، لأنّ المحبّة الحقيقيّة تحمي ولا تتساهل، وتُراعي الحرمات ولا تُجامل على حساب الدين والأخلاق.

وأوّل ما ينبغي أن يستقرَّ في وعيك هو أنّ ما تُحسّه من ضرورة التغيير صحيحٌ تماماً ومطابقٌ للشريعة والفطرة والعقل معاً. فالإسلام حين شرع الحجاب وحدّد آداب الخلوة والتعامل بين الجنسين لم يفعل ذلك لأنّ في الناس سوءاً بالضرورة، بل لأنّ الطريق حين تُغلق قبل أن يُحتاج إلى غلقها فذلك أسلم وأنجى. والنبيّ صلّى الله عليه وسلّم حين قال “لا يخلونّ رجلٌ بامرأة” لم يكن يتّهم الرجال ولا النساء، بل كان يقطع الطريق على الشيطان الذي يجد في التساهل الحسن النيّة ما يجد. ومن هنا فأنت على الجادّة تماماً، والحرجُ الذي تشعر به من ردود أفعال الأسر لا ينبغي أن يزعزع يقينك بصواب ما أقدمتَ عليه.

وأمّا ما تصفه من أنّ بعض هؤلاء الفتيات يُبدين ما يشبه الإعجاب العاطفيّ، فهذا أمرٌ يستحقّ وقفةً نفسيّة واعية. فالفتاة التي نشأت تجد في رجلٍ كبير دفءَ الأب وحنانَ المربّي ربّما تطوّر لديها ما يُعرف في علم النفس بالتعلّق الانتقاليّ، وهو تعلّقٌ يبدأ أبويّاً ثمّ يتلوّن بظلالٍ أخرى حين تبلغ الفتاة دون أن تعي هي نفسها ما يجري. وهذا لا يعني أنّ في الفتاة عيباً أو سوءاً بل يعني أنّها تحتاج إلى من يُساعدها على رسم هذه الحدود بشكلٍ واضح وحازم، وهذا بالضبط ما تفعله حين تُبعد نفسك وتُعيد رسم طبيعة العلاقة.

وفيما يخصّ الآباء والأمّهات الذين أساؤوا فهم موقفك، فالمشكلة هنا ليست في حجّتك بل في طريقة تقديمها. فأنت حين تقول لهم إنّ بناتهم كبرن ولا يمكنك أن تتعامل معهنّ كما كنت، فإنّ هذا الكلام وإن كان صحيحاً قد يُفهم خطأً، إذ يبدو كأنّك تُحمِّل الفتيات مسؤوليّة تغيُّر موقفك وهو ما قد يُزعج الأهل ويدفعهم إلى الدفاع عن بناتهم. والأجدى أن يكون الحديث عن نفسك لا عنهنّ، أي أن تقول إنّك أصبحتَ تُفضِّل أن تُراعي في التعامل آداب الإسلام بشكلٍ أكثر التزاماً مع البالغات، وأنّ هذا قرارٌ ديني شخصي لا علاقة له بمقدار محبّتك لهنّ.

كذلك فإنّ التدرّج في الابتعاد أجدى أحياناً من القطيعة المفاجئة التي تصدم الأسر. فبدلاً من أن تختفي فجأةً من حياتهم، احتفظ بالعلاقة الطيّبة مع الأسرة كاملةً، وخصَّص تعاملك المباشر للآباء والأمّهات، ووجِّه ما تُقدّمه من مودّةٍ ودعم نحو أبنائهم الصغار إن كان لهم أبناءٌ صغار، بحيث يرى الجميع أنّ المحبّة ما زالت موجودة لكنّها وجدت لها قناةً أكثر مناسبةً وأبعد عن الإشكال.

وآخر ما أودّ إضافته وهو ليس أقلّها أهميّة، أنّ وضوحك مع نفسك في هذا الأمر وإشهادك الله على نيّتك هو من أثمن ما تحتفظ به، وإنّ الله الذي يعلم ما في الصدور لن يُضيّع أجرَ من حفظ حرماته وصانها، حتّى وإن أساء الناس فهمه أو ظنّوا به خلاف ما هو عليه. فمن أرضى الله بسخط الناس أرضاه الله وأرضى عنه الناس يوماً، ومن راقب الله في السرّ وفي العلن كفاه الله ما أهمّه وما لم يهمّه.

ذات صلة
ماء الغُسل الطاهر .. رسائل الرحمة وطمأنينة القلب
هذه الرؤيا فرصة لمراجعة قلبك، فجدد صلتك بالله، وأكثر من الطهارة الظاهرة والباطنة؛ فكما كان الماء في المنام...
المزيد »
 كيف نعلّم أبناءنا الترفع دون أن نطلب منهم ابتلاع الإهانة؟
كيف نحمي أبناءنا من الإهانة دون أن نزرع في قلوبهم الحقد؟ وكيف نعلّمهم صلة الرحم دون أن نطلب منهم أن يعتادوا...
المزيد »
قلبك انتصر للإنسان ودافع عن الفطرة
عيادة الأسنان، بما فيها من معنى العلاج والإصلاح، فقد تكون دعوة إلى التعامل مع القلق بطريقة صحية: لا بالاستسلام...
المزيد »
روحك تستعيد بوصلتها وتأنس برحابة المسجد رغم ضيق النعل
ظهور الشخصيات العامة في المنام لا يعني بالضرورة تعلق الرؤيا بذواتهم أو بما سيقع لهم، بل قد تكون الشخصية...
المزيد »
سرعة ضربات القلب..
تُعد سرعة ضربات القلب أو الشعور بالخفقان من الأعراض الشائعة التي قد يمر بها الإنسان في أوقات مختلفة،...
المزيد »
إنستجرام يطرح إعدادات جديدة لحماية صور المستخدمين من الذكاء الاصطناعي
أعلنت منصة إنستجرام عن إطلاق مجموعة من إعدادات الخصوصية الجديدة، التي تهدف إلى منح المستخدمين قدرة أكبر...
المزيد »
فقدان الأصدقاء والأحبة وأثره النفسي على كبار السن
يمثل فقدان الأصدقاء والأحبة تجربة إنسانية مؤلمة في مختلف مراحل العمر، غير أن أثرها قد يكون أكثر عمقا...
المزيد »
لماذا يحتاج الأحفاد إلى وجود الأجداد في حياتهم؟
يمثل الأجداد حضورا مميزا في حياة الأسرة، فهم ليسوا مجرد جيل أكبر سنا، بل يشكلون جسرا يربط الأحفاد بتاريخ...
المزيد »
الرضا والقناعة.. مفتاح السكينة والاستقرار في الحياة الزوجية
تقوم الحياة الزوجية الناجحة على مجموعة من القيم والمبادئ التي تحفظ المودة بين الزوجين، وتساعدهما على...
المزيد »
الرجل بين متطلبات الزوجة ومسؤوليات الأسرة.. التوازن يصنع الاستقرار
تمثل الأسرة الركيزة الأساسية في بناء المجتمع، ويقع على عاتق الزوجين دور كبير في تحقيق استقرارها والحفاظ...
المزيد »
الغيرة الزوجية..
الغيرة الزوجية من المشاعر الفطرية التي أودعها الله تعالى في النفس البشرية، وهي في أصلها دليل على المحبة...
المزيد »
المقارنات الاجتماعية السلبية..
أصبحت المقارنات الاجتماعية من أبرز الظواهر التي تؤثر في الشباب في ظل الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي،...
المزيد »
حقوق الطفل في الإسلام
اهتم الإسلام بالطفل اهتماما بالغا، وجعل رعايته من أعظم المسؤوليات التي يتحملها الوالدان والمجتمع، إذ...
المزيد »
البيت المسلم
البيت المسلم هو اللبنة الأولى في بناء المجتمع، فمنه تنطلق القيم، وتتكون الشخصيات، وتنشأ الأجيال التي...
المزيد »
غرس القيم الإسلامية
الأسرة هي اللبنة الأساسية في بناء المجتمع، فهي البيئة الأولى التي يتلقى فيها الطفل معارفه، ويكتسب منها...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك