حلمك يكشف ما تخفيه النفس من إيثار وحيرة

Picture of محمد الشرشابي

محمد الشرشابي

رجاء إعداد سيرة مهنية مختصرة لوضعها مع مقالات الكاتب
هذا الحلم يُرشد إلى ثلاثة أبواب: الأول مراجعة علاقتك بالعطاء، والتمييز بين الكرم المحمود وإهمال النفس المذموم. والثاني التأمّل في الطريق الذي تسلكه في جانب من جوانب حياتك هل هو محكمٌ أم به شقٌّ...
حلمك يكشف ما تخفيه النفس من إيثار وحيرة

حلمك يكشف ما تخفيه النفس من إيثار وحيرة

س
رأيتُ في المنام رجلاً بيني وبينه احترام دون صداقة وطيدة، وإذا به محتجزٌ في مستشفى، فتوجّهتُ إليه وبي دافعٌ يشدّني نحو المساندة لا المجاملة، فلم أجد أحداً من ذويه يُعينه، فقرّرتُ الجلوس معه وتحمّلتُ في ذلك مشقة التحايل على أمن المستشفى الذي لا يأذن لغير الأقارب بالبقاء. وكنتُ قد وضعتُ قُرب رأسه مبلغاً من المال قدره ألف جنيه فكّةً، ثم وجدتُ بعد ذلك مبلغاً آخر من فئتَي المئة والمئتين يبلغ آلاف الجنيهات، وكنت حريصاً على حراسة المالَين خشية السرقة وهو فاقدٌ للوعي. وبعد أن طال المقام هممتُ بالمغادرة حتى لا أقع في مخالفة القانون، فأردتُ استرداد مالي، غير أنني شعرتُ بالحرج فتركتُ المبلغ وانصرفتُ. ومن مال بقي في جيبي اشتريتُ حذاءين من سوق ملحق بالمستشفى، أحدهما لي والآخر لشخص ما، فارتديتُ أحدهما فاكتشفتُ أنه ممزّق، ثم نظرتُ إلى الحذاء الثاني فوجدتُه سليماً لكنه لا يناسب قدمي.
جــــ

حلمٌ حافلٌ بالرموز، ينمّ عن نفسٍ تعيش توتّراً خفيّاً بين دوافع الإيثار وهواجس الحذر، وبين الرغبة في فعل الخير والقلق من التبعات. وكثيراً ما يُقرع الحلمُ هذه الأوتار دون أن يُفصح المرء في يقظته عمّا يختلج في صدره.

أمّا المستشفى فقد جرى على ألسنة المعبّرين اعتبارُه مجالاً من مجالات الضيق والمحنة والتحوّل؛ والشخصُ المحتجز فيه في حالة هشاشة تُلقي في النفس دوافع الحنان ورغبة الإسناد. ووقوفُك إلى جانب شخص ليس بينك وبينه قرابة وثيقة، دليلٌ على أن الحلم يُجلّي ما في طبعك من فطرة كريمة لا تشترط في البذل الصداقةَ القديمة ولا رابطة الدم، بل يكفيها شعورُ الإنسان بالإنسان.

والتحايلُ على أمن المستشفى حتى لا تترك المريض وحيداً، رمزٌ نفسيٌّ بليغ؛ إذ هو تصوير لما تعيشه من ضغط بين الالتزام الأخلاقي الداخلي وبين الحواجز الاجتماعية والرسمية التي قد تحول دون فعل ما تؤمن بصواغه. والنفسُ حين تشعر بصحّة موقفها تجد طريقها متحرّيةً الحلول لا الانسحاب، وهذا ما جسّده فعلُك في المنام بجلاء.

وأمّا المالُ فله في الحلم معنيان: الظاهرُ والباطن. أمّا ظاهره فما تعلمه من ارتباطه بالرزق والأمان المادي. وأمّا باطنه فما يشير إليه كثيرٌ من العلماء من أنه يرمز إلى الطاقة النفسية والعاطفية التي تُودعها في علاقاتك ومواقفك. والمبلغ الأول الذي وضعتَه قرب رأسه فكّةً صغيرة قد يُعبّر عن ما أوليتَه من وقتك وجهدك دون توقّع الجزاء. ثم وجدتَ المبلغَ الثاني الأضخم، وكأن الحلم يقول لك: إن بذلك الصغير كان بذرةً لما هو أكثر، وإن العطاء دون حسابٍ ينكشف عن خيرٍ تجهله.

وحراستُك للمالَين خشية من يسرقهما وهو فاقد للوعي، تعبيرٌ عن يقظتك الداخلية وشعورك بالمسؤولية تجاه مَن هو في موضع ضعف. وهذا ليس مجرّد أمانةٍ بالمفهوم الضيّق، بل هو حسٌّ بالعدل ورغبةٌ في حفظ ما أُودع الضعيفَ من حقوق ومقدّرات.

ولمّا همَمتَ بالمغادرة أردتَ أخذ مالك، فانتابك الحرجُ فتركتَه. وهنا يُسرّ إليك الحلم بمعنًى عميق: أن النفس الكريمة حين تُعطي وتتورّط في العطاء تجد نفسها أمام عتبة صعبة هي الاسترداد. وهذا الحرجُ ليس ضعفاً بل هو دليل شهامة تأبى أن تجعل من المعونة مُعاملةً تجارية. غير أنّ ثمّة جانباً نفسياً يستوجب التأمّل: أحياناً يخلط المرء بين الكرم الحقيقي وبين الإحجام عن استيفاء حقٍّ مشروع خشية ما يظنّه نظرة الناس، فاستعرْ من حلمك درساً: أن إعطاء العطاء حقَّه شيء، وإهمال حقّ نفسك شيءٌ آخر.

وأمّا الحذاء فهو من أكثر الرموز حضوراً في تراث التعبير وعلم النفس معاً؛ إذ هو ما يُلاقي به الإنسان الأرضَ، وما يسير به في طريق الحياة. والحذاء الممزّق الذي أدخلتَه في قدمك يُوحي بأنك ربما تسلكُ في هذه المرحلة طريقاً أو موقفاً لا يحمل ما يكفي من السلامة أو المتانة، أي أن ثمّة ثغرةً في خطوة تخطوها، سواء في علاقة أو قرار أو منهج. والحذاء الآخر السليم الذي لا يناسب قدمك، رمزٌ لاحتمال آخر متاح أمامك؛ صحيح في ذاته ومتّزن، لكنّه ليس مقيساً على مقاسك أنت، أي أنه ليس خيارك، وإن صلح لغيرك. والحلم بذلك لا يُجيب بل يسأل: هل أنت في المكان المناسب؟ وهل الطريق الذي تسلكه محكمُ البناء؟

وممّا تجدر الإشارة إليه دينياً أن الرؤيا المتضمّنة لمشاهد البرّ والإيثار كثيراً ما تكون بشارةً بالخير، أو تذكيراً بفضيلة يحثّ عليها الدينُ وهي نصرة المحتاج ولو لم يكن ذا قربى. وقد أكّد النبيّ صلى الله عليه وسلم على مسرّة المسلم لأخيه وإعانة الضعيف، وكلُّ ذلك ظهر في حلمك صورةً ناصعة. ولو استبشرتَ بما رأيتَ وعملتَ على أن تُترجمه في يقظتك رعايةً لمَن حولك لكان ذلك وجهاً حسناً من التعامل مع الرؤيا.

وعلى الصعيد النصحي: يُرشدك هذا الحلم إلى ثلاثة أبواب: الأول مراجعة علاقتك بالعطاء، والتمييز بين الكرم المحمود وإهمال النفس المذموم. والثاني التأمّل في الطريق الذي تسلكه في جانب من جوانب حياتك هل هو محكمٌ أم به شقٌّ يحتاج إصلاحاً؟ والثالث أن تُدرك أن الخيار السليم لغيرك قد لا يكون خيارك أنت، فلا تُكرهُ نفسك على نعلٍ لم يُقَس على قدمك.

ذات صلة
استعن بالله وتدرج في رسم طبيعة العلاقة
ما تُحسّه من ضرورة التغيير صحيحٌ تماماً ومطابقٌ للشريعة والفطرة والعقل معاً. فالإسلام حين شرع الحجاب...
المزيد »
مشاعرك تجاه الآخرين تجتاج إلى تمحيص فأعيدي ترتيب أولوياتك
حلمك يشترك في معناه كثيرٌ ممّن يعانون من شعور الإقصاء في بيئة العمل، أو يُحسّون بأنّ فرصاً تُقطع عنهم...
المزيد »
سلوك طفلك لا يمثل حكما نهائيا على شخصيته
إذا استمر العنف بصورة شديدة ومتكررة، أو كان مصحوبًا بمشكلات واضحة في المدرسة والعلاقات الاجتماعية، أو...
المزيد »
صراخها دليل ضعف واضطراب.. فلا تخافي
أنتِ في موقع الأمان، ومن صرخ في وجهك يحمل همّه هو لا همّكِ، وما بدا من رضا الصامتة كان تعبيرًا عمّا أدركه...
المزيد »
دواء جديد يمنح الأمل لمرضى سرطان البنكرياس 
توصلت دراسة حديثة أجراها فريق من الباحثين في جامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس إلى نتائج مشجعة بشأن دواء جديد...
المزيد »
جودة الحياة في مرحلة الشيخوخة
تمثل مرحلة الشيخوخة إحدى المراحل الطبيعية في حياة الإنسان، وهي مرحلة تحمل الكثير من الخبرات والحكمة والتجارب...
المزيد »
دور الأجداد في حفظ الذاكرة الأسرية
الأسرة المؤسسة الأولى التي يتعلم فيها الإنسان القيم والعادات والتقاليد، وتبقى الأجيال المتعاقبة مرتبطة...
المزيد »
العبادة المشتركة بين الزوجين..
تقوم الحياة الزوجية الناجحة على أسس عديدة، من أهمها المودة والرحمة والتفاهم والتعاون، غير أن هناك ركيزة...
المزيد »
أخلاق النبوة سبيل الرجل لتحقيق القوامة
جعل الإسلام الأسرة نواة المجتمع وأساس استقراره، وحرص على أن تقوم العلاقات داخلها على المودة والرحمة والاحترام...
المزيد »
المرأة ركيزة أساسية في مواجهة الغلاء
تشهد العديد من المجتمعات في السنوات الأخيرة ارتفاعا ملحوظا في تكاليف المعيشة وأسعار السلع والخدمات، الأمر...
المزيد »
إضاعة الشباب للوقت
الوقت من أثمن النعم التي أنعم الله بها على الإنسان، فهو رأس المال الحقيقي الذي لا يمكن تعويضه أو استرجاعه...
المزيد »
الأخطاء التربوية
تربية الأبناء من أعظم المسؤوليات التي يتحملها الآباء والأمهات، فهي لا تقتصر على توفير الطعام والملبس...
المزيد »
تنظيم المساحات بالمنزل
يعد المنزل الملاذ الأول الذي يلجأ إليه الإنسان بعد يوم طويل من العمل أو الدراسة، ولذلك فإن توفير بيئة...
المزيد »
التسامح قيمة إسلامية عظيمة
التسامح من أعظم القيم الإنسانية التي دعا إليها الإسلام وحث عليها في مختلف جوانب الحياة، فهو خلق نبيل...
المزيد »
الرؤيا وحدها ليست مناطاً لقرارك في الخطبة
العري في المنام فهي من الرؤى التي اختلف العلماء في دلالتها اختلافاً واسعاً، ولا يصح إطلاق حكم واحد عليها...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك