![]()
سلوك طفلك لا يمثل حكما نهائيا على شخصيته
- الأسرة المسلمة
- استشارات عائلية
- يوجه بها وفق رؤية دينية واجتماعية
- الكاتب الصحفي
- / محمد الشرشابي
محمد الشرشابي
سلوك طفلك لا يمثل حكما نهائيا على شخصيته
- استشارات عائلية
ما تصفينه ليس مجرد مشكلة عابرة ينبغي تجاهلها، وفي الوقت نفسه ليس حكمًا نهائيًا على شخصية طفلك أو مستقبله. فالطفولة المبكرة مرحلة تتشكل فيها الملامح الأولى للسلوك، وكثير من الصفات التي تبدو مزعجة في هذا العمر يمكن تعديلها إذا أُحسن التعامل معها، بينما قد تترسخ وتشتد إذا تُركت دون توجيه.
وأول ما ينبغي إدراكه أن العناد ليس دائمًا علامة على سوء الخلق، بل قد يكون في بعض الأحيان مؤشرًا على قوة الإرادة وحب الاستقلال والرغبة في إثبات الذات. غير أن هذه الطاقة الطبيعية تحتاج إلى تهذيب وتوجيه، لا إلى كسر وإلغاء، حتى تنمو في الاتجاه الصحيح. وكذلك العنف لا ينشأ غالبًا من فراغ؛ فقد يكون تعبيرًا عن غضب مكبوت، أو رغبة في لفت الانتباه، أو تقليدًا لما يراه الطفل حوله، أو وسيلة اكتشف أنها تمنحه ما يريد.
ومن المهم أن تسألي نفسك بهدوء: متى تزداد نوبات العنف؟ وما المواقف التي تسبقها؟ وهل يحصل الطفل بعد سلوكه العدواني على ما يريد بطريقة مباشرة أو غير مباشرة؟ فكثير من الأطفال يتعلمون أن الصراخ أو الضرب وسيلة فعالة لتحقيق مطالبهم، فيستمرون في استخدامها لأن البيئة المحيطة عززتها دون قصد.
بين الحزم والقسوة.. خيط رفيع
من الأخطاء الشائعة أن ينتقل الوالدان بين طرفين متناقضين: الشدة الزائدة حينًا، والتساهل المفرط حينًا آخر. والطفل في هذه الحالة لا يفهم الحدود بوضوح، بل يتعلم أن القوانين قابلة للتفاوض في كل مرة.
الحزم التربوي لا يعني رفع الصوت ولا الإهانة ولا الضرب، وإنما يعني وجود قواعد واضحة وثابتة يعرف الطفل نتائج مخالفتها مسبقًا. فإذا ضرب أخاه مثلًا، فهناك نتيجة مباشرة ومعلومة تُطبق بهدوء وثبات في كل مرة، دون صراخ أو انفعال أو تهديدات متكررة.
أما العقوبات المتقلبة التي تتغير بحسب مزاج الوالدين، فإنها تربك الطفل أكثر مما تصلحه. ولهذا فإن الثبات في التربية أهم من كثرة الوسائل التربوية.
ومن الناحية النفسية، فإن الطفل العدواني يحتاج إلى أن يشعر بأن والديه يرفضان السلوك لا شخصه. فهناك فرق كبير بين أن نقول له: “أنت طفل سيئ”، وبين أن نقول: “ما فعلته خطأ ولا نقبله”. الأولى تجرح هويته، والثانية تعالج سلوكه.
أثر الخلاف بين الأب والأم
تبدو في استشارتك نقطة شديدة الأهمية، وهي اختلاف موقفك عن موقف الأب. والحقيقة أن كثيرًا من المشكلات السلوكية لا تنبع من الطفل وحده، بل من التناقض في الرسائل التربوية التي تصله.
فعندما تمنع الأم سلوكًا معينًا ثم يأتي الأب ليبرره أو يخفف آثاره أو يدافع عن الطفل باستمرار، يتعلم الطفل سريعًا كيف يستثمر هذا التباين لصالحه. ومع مرور الوقت يفقد التوجيه التربوي قوته وتأثيره.
لذلك فإن حاجتكم اليوم ليست إلى أن تكوني أكثر صرامة أو أن يكون الأب أكثر تدليلًا، وإنما إلى اتفاق تربوي واضح بينكما. اجلسي مع زوجك بعيدًا عن أوقات المشكلات، وناقشاه بهدوء في السلوكيات التي تستوجب التدخل، والعواقب المناسبة لها، وطريقة التعامل الموحدة معها.
ولا شك أن الأب محق في أن بعض السلوكيات تخف مع النضج، لكن الصحيح أيضًا أن النضج وحده لا يكفي دائمًا. فالبذور إن لم تُسقَ بالتوجيه والرعاية قد تنمو في الاتجاه الخطأ.
التربية في ميزان الإسلام
يرشدنا الإسلام إلى التوازن الدقيق بين الرحمة والحزم. فقد كان النبي ﷺ أرحم الناس بالأطفال وألطفهم بهم، لكنه في الوقت نفسه كان يربي على المسؤولية والانضباط واحترام الحقوق.
ومن المهم أن يُربى الطفل منذ صغره على معاني الرحمة بالآخرين وكف الأذى عنهم. فحين يعتدي على أخيه أو زميله، لا يقتصر الأمر على منعه من الضرب، بل ينبغي مساعدته على فهم مشاعر الطرف الآخر، وأن المسلم الحق لا يؤذي الناس بيده ولا بلسانه.
كما أن الدعاء للأبناء من أعظم أسباب صلاحهم، مع الإكثار من غرس القيم الإيمانية المناسبة لعمرهم من خلال القصص والمواقف العملية أكثر من المواعظ المباشرة.
خطوات عملية تساعدك
احرصي على مدح السلوك الإيجابي فور حدوثه، ولو كان بسيطًا؛ فالطفل يحتاج إلى أن يشعر أن انتباه والديه لا يأتي فقط عند الخطأ.
وفري له فرصًا منتظمة لتفريغ طاقته البدنية من خلال اللعب والحركة؛ فكثير من الأطفال تزداد حدة سلوكياتهم حين تُحبس طاقاتهم الطبيعية.
تجنبي كثرة الأوامر المتلاحقة، وامنحيه أحيانًا خيارات محدودة يشعر من خلالها بالاستقلال، كأن يختار بين أمرين مقبولين.
راقبي ما يشاهده من محتوى مرئي أو ألعاب إلكترونية؛ فبعض الأطفال يتأثرون بشدة بالمشاهد العدوانية دون أن يلتفت الوالدان إلى ذلك.
وإذا استمر العنف بصورة شديدة ومتكررة، أو كان مصحوبًا بمشكلات واضحة في المدرسة والعلاقات الاجتماعية، أو ازداد بدل أن يتحسن مع الوقت، فلا حرج من استشارة مختص نفسي للأطفال؛ فالتدخل المبكر كثيرًا ما يمنع تفاقم المشكلة ويختصر سنوات من المعاناة.
- كلمات مفتاحية | تدليل الأبناء, عناد الأطفال, لدى الأطفال



