سلوك طفلك لا يمثل حكما نهائيا على شخصيته

Picture of محمد الشرشابي

محمد الشرشابي

رجاء إعداد سيرة مهنية مختصرة لوضعها مع مقالات الكاتب
إذا استمر العنف بصورة شديدة ومتكررة، أو كان مصحوبًا بمشكلات واضحة في المدرسة والعلاقات الاجتماعية، أو ازداد بدل أن يتحسن مع الوقت، فلا حرج من استشارة مختص نفسي للأطفال؛ فالتدخل المبكر كثيرًا ما يمنع...
سلوك طفلك لا يمثل حكما نهائيا على شخصيته

سلوك طفلك لا يمثل حكما نهائيا على شخصيته

س
أنا أم لطفل يبلغ من العمر خمس سنوات، وأشعر بحيرة شديدة في التعامل معه. فمنذ سنواته الأولى وهو يتصف بقدر كبير من العناد والعصبية، لكن الأمر ازداد في الفترة الأخيرة حتى أصبح يؤثر على من حوله بصورة واضحة. فهو سريع الغضب، يعتدي أحيانًا على إخوته بالضرب أو الدفع، ويدخل في مشكلات متكررة مع زملائه في المدرسة، كما أنه يرفض كثيرًا من التوجيهات والأوامر، ويصر على تنفيذ ما يريد مهما كانت النتائج. لقد حاولت معه أساليب كثيرة؛ فمرة ألجأ إلى الحزم والعقاب، ومرة إلى الحوار واللين، وأحيانًا إلى المكافآت والتشجيع، لكنني لا أرى تغيرًا حقيقيًا ومستمرًا في سلوكه. وما يزيد الأمر صعوبة أن والده يميل إلى تدليله والدفاع عنه، ويرى أن هذه مجرد مرحلة عمرية ستزول مع الوقت، ويطلب مني الصبر وعدم التشدد معه، مما يجعلنا نبدو أمام الطفل وكأننا نتبنى رسالتين مختلفتين في التربية. فهل هذا السلوك طبيعي في مثل هذا العمر؟ وكيف يمكن التعامل مع الطفل العنيد والعنيف دون أن نخسر شخصيته أو نزيد المشكلة تعقيدًا؟ وما الدور الذي ينبغي أن يقوم به الأب والأم معًا في مثل هذه الحالات؟
جــــ

ما تصفينه ليس مجرد مشكلة عابرة ينبغي تجاهلها، وفي الوقت نفسه ليس حكمًا نهائيًا على شخصية طفلك أو مستقبله. فالطفولة المبكرة مرحلة تتشكل فيها الملامح الأولى للسلوك، وكثير من الصفات التي تبدو مزعجة في هذا العمر يمكن تعديلها إذا أُحسن التعامل معها، بينما قد تترسخ وتشتد إذا تُركت دون توجيه.

وأول ما ينبغي إدراكه أن العناد ليس دائمًا علامة على سوء الخلق، بل قد يكون في بعض الأحيان مؤشرًا على قوة الإرادة وحب الاستقلال والرغبة في إثبات الذات. غير أن هذه الطاقة الطبيعية تحتاج إلى تهذيب وتوجيه، لا إلى كسر وإلغاء، حتى تنمو في الاتجاه الصحيح. وكذلك العنف لا ينشأ غالبًا من فراغ؛ فقد يكون تعبيرًا عن غضب مكبوت، أو رغبة في لفت الانتباه، أو تقليدًا لما يراه الطفل حوله، أو وسيلة اكتشف أنها تمنحه ما يريد.

ومن المهم أن تسألي نفسك بهدوء: متى تزداد نوبات العنف؟ وما المواقف التي تسبقها؟ وهل يحصل الطفل بعد سلوكه العدواني على ما يريد بطريقة مباشرة أو غير مباشرة؟ فكثير من الأطفال يتعلمون أن الصراخ أو الضرب وسيلة فعالة لتحقيق مطالبهم، فيستمرون في استخدامها لأن البيئة المحيطة عززتها دون قصد.

بين الحزم والقسوة.. خيط رفيع

من الأخطاء الشائعة أن ينتقل الوالدان بين طرفين متناقضين: الشدة الزائدة حينًا، والتساهل المفرط حينًا آخر. والطفل في هذه الحالة لا يفهم الحدود بوضوح، بل يتعلم أن القوانين قابلة للتفاوض في كل مرة.

الحزم التربوي لا يعني رفع الصوت ولا الإهانة ولا الضرب، وإنما يعني وجود قواعد واضحة وثابتة يعرف الطفل نتائج مخالفتها مسبقًا. فإذا ضرب أخاه مثلًا، فهناك نتيجة مباشرة ومعلومة تُطبق بهدوء وثبات في كل مرة، دون صراخ أو انفعال أو تهديدات متكررة.

أما العقوبات المتقلبة التي تتغير بحسب مزاج الوالدين، فإنها تربك الطفل أكثر مما تصلحه. ولهذا فإن الثبات في التربية أهم من كثرة الوسائل التربوية.

ومن الناحية النفسية، فإن الطفل العدواني يحتاج إلى أن يشعر بأن والديه يرفضان السلوك لا شخصه. فهناك فرق كبير بين أن نقول له: “أنت طفل سيئ”، وبين أن نقول: “ما فعلته خطأ ولا نقبله”. الأولى تجرح هويته، والثانية تعالج سلوكه.

أثر الخلاف بين الأب والأم

تبدو في استشارتك نقطة شديدة الأهمية، وهي اختلاف موقفك عن موقف الأب. والحقيقة أن كثيرًا من المشكلات السلوكية لا تنبع من الطفل وحده، بل من التناقض في الرسائل التربوية التي تصله.

فعندما تمنع الأم سلوكًا معينًا ثم يأتي الأب ليبرره أو يخفف آثاره أو يدافع عن الطفل باستمرار، يتعلم الطفل سريعًا كيف يستثمر هذا التباين لصالحه. ومع مرور الوقت يفقد التوجيه التربوي قوته وتأثيره.

لذلك فإن حاجتكم اليوم ليست إلى أن تكوني أكثر صرامة أو أن يكون الأب أكثر تدليلًا، وإنما إلى اتفاق تربوي واضح بينكما. اجلسي مع زوجك بعيدًا عن أوقات المشكلات، وناقشاه بهدوء في السلوكيات التي تستوجب التدخل، والعواقب المناسبة لها، وطريقة التعامل الموحدة معها.

ولا شك أن الأب محق في أن بعض السلوكيات تخف مع النضج، لكن الصحيح أيضًا أن النضج وحده لا يكفي دائمًا. فالبذور إن لم تُسقَ بالتوجيه والرعاية قد تنمو في الاتجاه الخطأ.

التربية في ميزان الإسلام

يرشدنا الإسلام إلى التوازن الدقيق بين الرحمة والحزم. فقد كان النبي ﷺ أرحم الناس بالأطفال وألطفهم بهم، لكنه في الوقت نفسه كان يربي على المسؤولية والانضباط واحترام الحقوق.

ومن المهم أن يُربى الطفل منذ صغره على معاني الرحمة بالآخرين وكف الأذى عنهم. فحين يعتدي على أخيه أو زميله، لا يقتصر الأمر على منعه من الضرب، بل ينبغي مساعدته على فهم مشاعر الطرف الآخر، وأن المسلم الحق لا يؤذي الناس بيده ولا بلسانه.

كما أن الدعاء للأبناء من أعظم أسباب صلاحهم، مع الإكثار من غرس القيم الإيمانية المناسبة لعمرهم من خلال القصص والمواقف العملية أكثر من المواعظ المباشرة.

خطوات عملية تساعدك

احرصي على مدح السلوك الإيجابي فور حدوثه، ولو كان بسيطًا؛ فالطفل يحتاج إلى أن يشعر أن انتباه والديه لا يأتي فقط عند الخطأ.

وفري له فرصًا منتظمة لتفريغ طاقته البدنية من خلال اللعب والحركة؛ فكثير من الأطفال تزداد حدة سلوكياتهم حين تُحبس طاقاتهم الطبيعية.

تجنبي كثرة الأوامر المتلاحقة، وامنحيه أحيانًا خيارات محدودة يشعر من خلالها بالاستقلال، كأن يختار بين أمرين مقبولين.

راقبي ما يشاهده من محتوى مرئي أو ألعاب إلكترونية؛ فبعض الأطفال يتأثرون بشدة بالمشاهد العدوانية دون أن يلتفت الوالدان إلى ذلك.

وإذا استمر العنف بصورة شديدة ومتكررة، أو كان مصحوبًا بمشكلات واضحة في المدرسة والعلاقات الاجتماعية، أو ازداد بدل أن يتحسن مع الوقت، فلا حرج من استشارة مختص نفسي للأطفال؛ فالتدخل المبكر كثيرًا ما يمنع تفاقم المشكلة ويختصر سنوات من المعاناة.

 

ذات صلة
كلمات في الوجه تسبق اللسانَ.. كيف أتحكم في انفعالاتي أمام الناس؟
ظهور المشاعر على الوجه ليس في ذاته عيبًا أخلاقيًا ولا مرضًا نفسيًا. فالوجه في كثير من الأحيان مرآة سريعة...
المزيد »
ما أفضل الطرق لعلاج الدهون الثلاثية وخفضها بشكل آمن؟
يعد هذا السؤال من أكثر الأسئلة أهمية لدى الأشخاص الذين تظهر لديهم مستويات مرتفعة من الدهون الثلاثية،...
المزيد »
العلاج الجيني يفتح بابا جديدا لاستعادة البصر وإعادة بناء الشبكية
كشفت دراسة علمية أمريكية عن نتائج واعدة قد تمهد الطريق أمام توسيع استخدام العلاج الجيني في استعادة البصر...
المزيد »
جوجل تفاجئ مستخدمي جيميناي.. «Skills» تحل محل «Gems»
تستعد شركة جوجل لإجراء تغيير جديد في طريقة تخصيص المستخدمين لخدمة جيميناي، من خلال استبدال ميزة "جيمز"...
المزيد »
التغذية السليمة في مرحلة الشيخوخة..
تحتاج مرحلة الشيخوخة إلى اهتمام خاص بالتغذية، لأن احتياجات الجسم تتغير مع التقدم في العمر، وقد تتراجع...
المزيد »
فن صناعة الذكريات.. تفاصيل بسيطة تمنح حياة مليئة بالمودة
لا تقاس قوة الحياة الزوجية بعدد السنوات التي يعيشها الزوجان معا فقط، وإنما بما يصنعانه خلال هذه السنوات...
المزيد »
عقوق الأبناء.. أسبابه وطرق التعامل معه وبناء جسور البر داخل الأسرة
ظاهرة عقوق الأبناء من أكثر المشكلات الأسرية التي تترك آثارا عميقة على استقرار البيت وتماسكه، خاصة عندما...
المزيد »
الأم المعاصرة في اختبار صعب.. كيف تواجه عواصف التربية الحديثة؟
تواجه الأم المعاصرة مجموعة متزايدة من التحديات التربوية نتيجة التحولات الاجتماعية والثقافية والتكنولوجية...
المزيد »
تأخر الزواج والاستقرار من أبرز تحديات الشباب المسلم
يواجه الشباب المسلم في العصر الحديث تحديات متزايدة فرضتها التحولات الاجتماعية والثقافية والتكنولوجية،...
المزيد »
آداب التعامل التي ينبغي تعليمها للطفل المسلم
تعد مرحلة الطفولة الأساس الذي تتشكل خلاله شخصية الإنسان، ولذلك فإن تعليم الطفل المسلم آداب التعامل لا...
المزيد »
توزيع المهام المنزلية وأثره في استقرار الأسرة
يمثل توزيع المهام المنزلية بين أفراد الأسرة أحد العوامل المهمة في تحقيق الاستقرار الأسري، لأنه يعزز التعاون...
المزيد »
القدوة الحسنة وأثرها في التربية الإسلامية وبناء شخصية المسلم
تعد القدوة الحسنة من أهم الوسائل التي اعتمدت عليها التربية الإسلامية في بناء الإنسان، فالسلوك العملي...
المزيد »
كتلة تحت الجلد.. متى تكون بسيطة ومتى تستدعي الفحص الطبي؟
قد يلاحظ بعض الأشخاص ظهور كتلة أو عقدة صلبة تحت الجلد في الذراع أو الساق أو الرقبة أو في مناطق مختلفة...
المزيد »
الذكاء الاصطناعي
كشفت دراسة يابانية حديثة عن تقنية تعتمد على الذكاء الاصطناعي يمكنها رصد مؤشرات مرتبطة بارتفاع ضغط الدم...
المزيد »
الأجداد مدرسة الاحترام الأولى..
يمثل احترام كبار السن قيمة إنسانية وأخلاقية رفيعة، ويعد من السلوكيات التي ينبغي أن يتعلمها الأبناء منذ...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك