تبدو مشبعا بمشاعر الفقد والاشتياق وحب الوالدين

Picture of محمد الشرشابي

محمد الشرشابي

رجاء إعداد سيرة مهنية مختصرة لوضعها مع مقالات الكاتب
توفي والدي منذ مدة، ورأيته في المنام كأنه ما يزال حيًّا بيننا، إلا أن إحدى قدميه كانت مصابة إصابة شديدة تشبه الغرغرينة أو التلف البالغ. وقد طلب مني بإلحاح أن أقوم ببترها له، فداخلني...
تبدو مشبعا بمشاعر الفقد والاشتياق وحب الوالدين

تبدو مشبعا بمشاعر الفقد والاشتياق وحب الوالدين

س
توفي والدي منذ مدة، ورأيته في المنام كأنه ما يزال حيًّا بيننا، إلا أن إحدى قدميه كانت مصابة إصابة شديدة تشبه الغرغرينة أو التلف البالغ. وقد طلب مني بإلحاح أن أقوم ببترها له، فداخلني خوف شديد وتأثر عميق، إذ كيف أمد يدي إلى جسد أبي الذي طالما كنت أهابه وأجله؟ لكنه ظل يطمئنني ويطلب مني أن أكمل ما بدأته. رأيته واقفًا منتصبًا، وقد رفع رجله المصابة على ما يشبه الرافعة أو الحبل، وكانت علامات العطب واضحة عليها. اقتربت منه وأنا أبكي في داخلي، فقبلت قدمه ثم باشرت في بترها. وكلما رأيته يتألم ازددت ترددًا، لكنه كان يردد: "لا تخف، أكمل". حتى انتهيت من ذلك الأمر الشاق. ثم احتضنته وحملته برفق حتى أضجعته على فراش موضوع على الأرض، وما إن وضعته عليه حتى استغرق في نوم عميق. وبعد ذلك جاءت أمي - رحمها الله - وقالت بنبرة مملوءة بالشفقة: "لقد نام من شدة ما عانى من الألم". ثم أخذت القدم المبتورة ووضعتها في كيس كبير، وكلما جاء أحد أبناء إخوتي - وقد رأيتهم في المنام أطفالًا صغارًا رغم أنهم في الواقع شباب - أخبرته بما حدث، وكانت تشير إلى الكيس الذي بداخله القدم، لكنها كانت تمنعهم من كشفها أو النظر إليها، كما كانت تمنعهم من إيقاظ أبي حتى يستريح من عناء ما مر به. فما دلالة هذه الرؤيا؟ وهل تتعلق بحال والدي بعد وفاته أم أنها تعبر عن مشاعر وأحوال تخصني أنا؟
جــــ

هذه الرؤيا من الرؤى العميقة التي تتداخل فيها الرموز الدينية مع المعاني النفسية والوجدانية، ويظهر فيها بجلاء أثر المحبة العظيمة التي لا تزال تسكن قلب الرائي تجاه والديه رحمهما الله.

وأول ما يلفت النظر فيها أن الوالد المتوفى ظهر حيًّا، وهي صورة تتكرر كثيرًا في رؤى المشتاقين إلى أحبتهم الراحلين، لا سيما إذا كان للميت مكانة عظيمة في النفس. وظهوره بهذه الهيئة لا يعني بالضرورة وصفًا لحاله في الآخرة، فشؤون البرزخ غيب لا يطلع عليه إلا الله، وإنما تُفهم الرؤيا من خلال دلالاتها العامة وما تبعثه من رسائل ومعانٍ.

أما القدم المصابة بالعطب الشديد، فهي في لغة الرؤى ترمز غالبًا إلى ما يحتاج إلى إصلاح أو تطهير أو إزالة أثر من آثار التعب والمعاناة. والبتر هنا ليس رمزًا للعقوبة أو الضرر، بل يبدو في سياق الرؤيا رمزًا للتخلص من شيء فاسد أو مؤلم، بدليل أن الوالد نفسه هو الذي طلب ذلك بإصرار، وأنه كان يطمئنك أثناء القيام به، وكأن الرؤيا تصور انتقاله من مرحلة ألم إلى مرحلة راحة.

ولهذا فإن المشهد كله يوحي بمعنى الرحمة أكثر مما يوحي بمعنى العقوبة، ومعنى الراحة أكثر مما يوحي بمعنى العذاب. فبعد انتهاء البتر مباشرة لم يمت الوالد في المنام، ولم تظهر عليه علامات الهلاك، بل احتضنته وأضجعته على الفراش فنام نومًا عميقًا، ثم جاءت الوالدة مؤكدة أنه إنما نام ليستريح بعد ما عاناه من ألم.

وهذا التسلسل له دلالة مؤثرة؛ إذ يبدو كأن الرؤيا ترسم صورة رمزية لانتهاء مرحلة من المعاناة وبدء مرحلة من السكينة، وهو معنى يبعث الطمأنينة في النفس أكثر مما يبعث القلق.

ومن اللافت أيضًا أنك أنت من قمت بالبتر، مع أنك كنت متأثرًا ومترددًا. وهذه الصورة تشير غالبًا إلى أن قلبك لا يزال يحمل تجاه والدك شعورًا بالمسؤولية والوفاء، وكأنك تريد أن تقدم له نفعًا حتى بعد وفاته. ولعل الرؤيا تذكرك بأن أعظم ما ينفع الوالد بعد رحيله ليس ما يُفعل بالجسد، وإنما ما يُهدى إليه من الدعاء والاستغفار والصدقة وصلة رحمه وبر أصدقائه وأقاربه.

أما ظهور الوالدة رحمها الله بعد ذلك مباشرة، فهو من أجمل مشاهد الرؤيا وأكثرها دلالة على السكينة. فقد جاءت لا لتزيد المشهد حزنًا، وإنما لتفسره وتخفف وقعه، وكأنها تحمل رسالة طمأنة مفادها أن الأمر قد انتهى وأن وقت الراحة قد حان. وغالبًا ما يكون ظهور الأم المتوفاة في الرؤى مرتبطًا بمعاني الحنان والاحتواء والتخفيف من القلق النفسي.

وأما وضع القدم في الكيس ومنع الآخرين من كشفها، ففيه إشارة بليغة إلى ستر ما مضى وطي صفحة الألم وعدم الانشغال بالتفاصيل المؤلمة. فكأن الرؤيا تقول إن ما كان من معاناة قد أصبح وراء الستار، وليس من الحكمة أن يبقى حاضرًا في الذاكرة على الدوام.

كما أن رؤية أبناء الإخوة في هيئة الأطفال، رغم أنهم في الواقع شباب، تحمل دلالة على البراءة والبدايات الأولى والذكريات القديمة. فالمنام في كثير من الأحيان يعيد تشكيل الأشخاص في الأعمار التي ارتبطت في الوجدان بمشاعر خاصة. وربما كان ذلك تعبيرًا عن حنين داخلي إلى زمن اجتماع الأسرة حول الوالدين قبل أن تتفرق بها السنون.

ومن الجانب النفسي، تبدو الرؤيا مشبعة بمشاعر الفقد والاشتياق والحرص على الوالدين بعد رحيلهما. وقد يكون العقل الباطن قد صاغ هذه المشاعر في صورة عملية جراحية مؤلمة تنتهي براحة المريض، ليعبر عن رغبة دفينة في الاطمئنان على الوالدين والتأكد من أنهما قد تجاوزا كل ألم وتعب.

ولهذا فإن أنفع ما يُستقبل به مثل هذا المنام هو الإكثار من الدعاء للوالدين، والاستمرار في الصدقة عنهما، وقراءة القرآن وإهداء ثواب ما ترجو إهداءه لهما على ما يراه كثير من أهل العلم، مع المحافظة على صلة الرحم التي كانا يحرصان عليها. فهذه الأعمال هي الامتداد الحقيقي للبر بعد الوفاة، وهي التي تمنح القلب راحة أعظم من الانشغال بتفاصيل الرموز وتفسيراتها.

 

ذات صلة
التكيف مع تغيرات الشيخوخة طريق لحياة أكثر توازنا وطمأنينة
مرحلة الشيخوخة إحدى المراحل المهمة في رحلة حياة الإنسان، فهي فترة تحمل الكثير من الخبرات والتجارب التي...
المزيد »
ابتكار روسي يساعد على علاج مرضى السرطان والسكري
توصل فريق علمي روسي من جامعة "أومسك" ومعهد "الفيزياء الحيوية النظرية والتجريبية" التابع لأكاديمية العلوم...
المزيد »
تعزيز المناعة
المناعة خط الدفاع الأول الذي يحمي جسم الإنسان من الفيروسات والبكتيريا ومختلف مسببات الأمراض، ومع تزايد...
المزيد »
قصص الأجداد وتجاربهم
تمثل قصص الأجداد وتجاربهم الحياتية أحد أهم الجسور التي تربط الأجيال ببعضها، فهي ليست مجرد حكايات تُروى...
المزيد »
السعادة الزوجية تنمو بالمودة وحسن المعاملة بين الرجل والمرأة
تعد السعادة الزوجية من أهم مقومات استقرار الأسرة، فهي لا تقوم فقط على وجود المشاعر الجميلة بين الزوجين،...
المزيد »
الحزم والاحتواء..
تقوم الأسرة المستقرة على مجموعة من القيم التي تجمع بين المسؤولية والمودة والتفاهم، ويأتي دور الرجل داخل...
المزيد »
الحوار والتجديد والتقدير.. أسلحة المرأة لإعادة الدفء للعلاقة مع الزوج
الحياة الزوجية علاقة إنسانية تقوم على المودة والرحمة والتفاهم، لكنها قد تمر في بعض المراحل بحالات من...
المزيد »
انتشار الشبهات الفكرية والإلحاد وتأثيرهما على وعي الشباب 
يشهد العالم المعاصر انتشارا واسعا للأفكار والشبهات الفكرية التي تستهدف مختلف الفئات، ويعد الشباب من أكثر...
المزيد »
بناء شخصية الطفل المسلم بين متطلبات الدنيا والاستعداد للآخرة 
يمثل الطفل المسلم ثروة حقيقية للمجتمع، فهو الجيل الذي يحمل مسؤولية المستقبل، ولذلك اهتم الإسلام بتربيته...
المزيد »
العفو والتسامح وصفة إسلامية لتحقيق الاستقرار الأسري
الأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع، واستقرارها يمثل أساسا مهما لاستقرار الحياة الاجتماعية بأكملها،...
المزيد »
الإسلام وضع منهجا تربويًا شاملا
التربية الإسلامية من أهم المناهج التي تهدف إلى بناء الإنسان بناء متكاملا، فهي لا تركز على جانب واحد من...
المزيد »
حلمك يكشف ما تخفيه النفس من إيثار وحيرة
هذا الحلم يُرشد إلى ثلاثة أبواب: الأول مراجعة علاقتك بالعطاء، والتمييز بين الكرم المحمود وإهمال النفس...
المزيد »
استعن بالله وتدرج في رسم طبيعة العلاقة
ما تُحسّه من ضرورة التغيير صحيحٌ تماماً ومطابقٌ للشريعة والفطرة والعقل معاً. فالإسلام حين شرع الحجاب...
المزيد »
مشاعرك تجاه الآخرين تجتاج إلى تمحيص فأعيدي ترتيب أولوياتك
حلمك يشترك في معناه كثيرٌ ممّن يعانون من شعور الإقصاء في بيئة العمل، أو يُحسّون بأنّ فرصاً تُقطع عنهم...
المزيد »
سلوك طفلك لا يمثل حكما نهائيا على شخصيته
إذا استمر العنف بصورة شديدة ومتكررة، أو كان مصحوبًا بمشكلات واضحة في المدرسة والعلاقات الاجتماعية، أو...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك