![]()
حقّ النفس ورباط العِشرة..
زواج يثقل بما لا يُحتمل
- الأسرة المسلمة
- استشارات عائلية
- يوجه بها وفق رؤية دينية واجتماعية
- / محمد الشرشابي
محمد الشرشابي
حقّ النفس ورباط العِشرة..
زواج يثقل بما لا يُحتمل
- استشارات عائلية
ما تصفينه ليس مجرد ضيق عابر في حياة زوجية، بل هو تراكم طويل من الإكراه النفسي، وفقدان القبول، واستمرار المعاشرة على خلاف الفطرة والرضا.
ومثل هذا الحال يحتاج إلى نظرٍ متوازن يجمع بين حكم الشرع، وفهم النفس، وحفظ الكرامة الإنسانية.
أول ما ينبغي أن يُقرَّر أن الزواج في أصله ميثاق يقوم على السكن والمودة، لا على القهر والإجبار، قال الله تعالى: “ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة”. فإذا غاب السكن، وتبدلت المودة نفوراً دائماً، وتحولت الحياة إلى معاناة مستمرة، فإن هذا يخرج بالعلاقة عن مقصدها الأساسي.
أما من جهة الحكم الشرعي، فحق الزوج في المعاشرة حق معتبر، لكن هذا الحق ليس مطلقاً منفصلاً عن حال الزوجة النفسية والجسدية، فإذا بلغ النفور مبلغاً شديداً يجعل القرب مؤذياً للنفس، بل وربما مُمرِضاً للبدن، فإن المسألة تنتقل من دائرة “الامتناع المجرّد” إلى دائرة “الضرر المعتبر”. والقاعدة في الشريعة أن الضرر يزال، وأن الإنسان لا يُكلّف بما لا يطيق.
وليس من العدل أن تُحمّلي نفسك ذنباً كاملاً في علاقة لم تُبنَ أصلاً على رضاك، ثم استمرت على أوصاف تُثقِل القلب وتكسر النفس. بل إن بقاءك كل هذه السنوات، وصبرك على ما ذكرتِ، هو في ذاته جهد عظيم، وليس تقصيراً.
لكن في المقابل، لا ينبغي أن يتحول هذا الألم إلى قطيعة صامتة أو صراع خفي بلا محاولة إصلاح أو تسوية، فهناك مسارات مشروعة ينبغي سلوكها قبل الوصول إلى الانفصال الكامل:
أولها: السعي الجاد للإصلاح، لا بالكلام العابر، بل بمحاولة واضحة، إما عبر جلسة مصارحة هادئة، أو إدخال طرف حكيم من أهلك وأهله، ممن يُرجى فيهم العدل والرشد. فكثير من الأزواج لا يدركون عمق الأذى الذي يُحدثونه، إلا إذا وُضع أمامهم بصدق ووضوح.
ثانيها: إن تعذر الإصلاح، فلكِ أن تطلبي الخلع، وهو حق شرعي للمرأة إذا كرهت الحياة مع زوجها وخشيت ألا تقيم حدود الله. وليس في الخلع إثم، بل هو مخرج شرعه الله لرفع الحرج عن المرأة. وإذا رفض الزوج، فلكِ اللجوء إلى القضاء لطلب التفريق للضرر، خاصة مع وجود أوصاف كالإساءة اللفظية، والطمع في مالك، وغياب المعاشرة بالمعروف.
ثالثها: ما يتعلق بامتناعك عن المعاشرة، فهو أمر يُنظر فيه بميزان دقيق؛ فإن كان الامتناع بدافع الأذى الحقيقي والضرر النفسي، لا لمجرد العناد أو العقوبة، فإن حالك يُعذر فيه إلى حد كبير، لكن لا ينبغي أن يطول هذا الوضع دون سعي لحل نهائي، لأن التعليق بين حالين يزيد الألم ولا يرفعه.
أما شعورك بتأنيب الضمير، فهو في جانب منه دليل على حياة قلبك وحرصك على رضا الله، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى سوط يجلدك ظلماً. فالله سبحانه لا يريد لعباده العنت، ولا يرضى لهم حياةً تُهدر فيها كرامتهم وتُستنزف فيها نفوسهم.
ومن الجانب النفسي، فإن ما تعيشينه هو نتيجة طبيعية لسنوات من الكبت وغياب القبول، وقد بلغ الأمر حد النفور الجسدي، وهو من أقوى المؤشرات على أن النفس لم تعد تحتمل الاستمرار بنفس الصورة. والاستمرار القسري في هذه الحال قد يورث أمراضاً نفسية أعمق، بل ويؤثر على أبنائك بصورة غير مباشرة.
والنصيحة لك أن تنتقلي من حالة التردد إلى وضوح القرار، لا باندفاع، بل ببصيرة: إما محاولة إصلاح حقيقية أخيرة بشروط واضحة تحفظ كرامتك، وإما سلوك الطريق الشرعي للخلاص، دون شعور بالإثم ما دمتِ تطلبين حقاً مشروعاً وتدفعين ضرراً واقعاً.
ولا تنسي أن تستعيني بالله، وتكثري من الدعاء بأن يختار لك الخير حيث كان، وأن يشرح صدرك للقرار الذي فيه راحتك في دينك ودنياك.
- كلمات مفتاحية | النفور من الزوج, امتناع الزوجة



