![]()
اعترافك شجاعة نادرة قد تكون أول طريق الإصلاح
- الأسرة المسلمة
- استشارات عائلية
- يوجه بها وفق رؤية دينية واجتماعية
- الكاتب الصحفي
- / محمد الشرشابي
محمد الشرشابي
اعترافك شجاعة نادرة قد تكون أول طريق الإصلاح
- استشارات عائلية
أيتها السيدة الفاضلة، ما كتبتِه ليس مجرد شكوى زوجية عابرة، بل هو اعتراف نادر بشجاعة نادرة. كثيرات يحملن ما تحملين ويدفنّه في أعماقهن خشية الحكم أو الخجل، فيكبر الجرح ويتقيّح دون أن يُعالج. أنتِ بتسمية ما تشعرين به وطلب النور فيه قد خطوتِ الخطوة الأولى والأصعب. فلتتسع نفسك لكلام صادق.
أولى الحقائق التي ينبغي أن تستقر في وعيك أن عدم الانجذاب العاطفي لشريك الحياة عند بداية الزواج ليس حكماً نهائياً على العلاقة ولا قضاءً مبرماً بفشلها، لكنه في الوقت ذاته ليس شيئاً يُهمل ويُتجاوز بحجة أن الرجل طيب. فالطيب وحده لا يملأ القلب إذا لم يُبنَ عليه شيء، والعلاقة الزوجية لا تحيا بالإقرار الذهني بمحاسن الآخر، بل تحتاج إلى أن يشعر القلب بشيء نحوه ولو كان بسيطاً في بدايته قابلاً للنمو.
وما تصفينه من أن شعورك لم يتغير طوال عشر سنوات يطرح سؤالاً جوهرياً لا مفر من مواجهته بصدق تام: هل بذلتِ في هذه السنوات جهداً حقيقياً لبناء ما يجعل القلب يميل؟ أم أن اللاوعي كان يقاوم أي تقارب منذ البداية؟ هذا التمييز مهم لأن المرأة التي لم تُعطِ العلاقة فرصة حقيقية تختلف حالها عمّن أعطت وأخفقت، وكلا الحالين يستحق معالجة مختلفة.
لكن دعينا نقف عند الجرح الحاضر الذي يؤلمك الآن وهو ما تصفينه من الحدة والقسوة والإحراج أمام الناس. اعلمي أن هذا السلوك ينبع في الغالب مما يسميه علماء النفس التفريغ العدواني الموجَّه نحو مصدر الضيق. فأنتِ لا تغضبين منه بسبب ذنب يرتكبه بل بسبب وجوده ذاته الذي صار عبئاً على نفس لم ترده. وهذا ظلم مركّب: ظلم له لأنه يعاقَب على شيء لا يد له فيه، وظلم لكِ لأن تأنيب الضمير الذي تحملينه يتراكم ويُثقل روحك. والنبي صلى الله عليه وسلم قال لا ضرر ولا ضرار، وهذا يشمل الضرر النفسي الذي يُلحقه الكلام الجارح والإحراج أمام الناس كما يشمل الضرر الجسدي، بل إن الإمام الغزالي رحمه الله أفاض في كتاب النكاح من الإحياء في بيان أن الإيذاء بالكلام والإهانة كبيرة يحاسب عليها القلب قبل اللسان.
والبعد الديني في مسألتك عميق ويستحق وقفة حقيقية. فالزواج في الإسلام ميثاق غليظ وصفه القرآن الكريم بهذا الوصف الذي لا يُطلق إلا على عهود ثقيلة من بينها العهد مع الأنبياء. وهذا الميثاق يفرض على كل طرف التزامات تتجاوز مجرد العيش تحت سقف واحد وتصل إلى المعاشرة بالمعروف التي أمر الله بها الأزواج. والمعاشرة بالمعروف ليست فقط في النفقة والكسوة، بل في الكلام واللحظة والمعاملة. وما تصفينه من الحدة والإحراج هو بلا شك بعيد عن المعاشرة بالمعروف، وأنتِ تدركين ذلك ويشهد عليه تأنيب ضميرك. وتأنيب الضمير هذا نعمة في حقيقته لأنه يدل على أن فطرتك سليمة ووجدانك يقظ ولم يُخدَّر بعد.
والآن إلى الجوهر: ما العمل؟
أول ما يجب هو أن تتوقفي عن الإحراج والحدة ليس لأنك صرت تحبينه فجأة، بل لأن هذا السلوك لا يليق بكِ قبل أن يليق به. المرأة المؤمنة الكريمة لا تُهين إنساناً جلس معها على مائدة واحدة وكان أمين بيتها وأبا أبنائها إن كان لكما أبناء، وإن لم يكن فهو على الأقل من خصّك بثقته وعشرته عشر سنوات. ضعي أمامك مبدأ واحداً: لا أتكلم في لحظة الغضب بكلام لن أرضاه في لحظة الهدوء.
وثاني ما يجب هو أن تسألي نفسك بجدية عما إذا كنتِ تريدين الإصلاح أم الخروج. فكلاهما طريق مشروع له شروطه وله حقوقه، لكن الخطأ هو الاستمرار في الحالة الراهنة دون قرار. فالاستمرار بلا محاولة حقيقية ظلم للطرفين، والخروج بلا تأمل وتمحيص قد يكون هروباً من الذات لا حلاً لها. إذ إن من ينفر من شيء في نفسه ويُسقطه على شريكه قد يحمل نفسه معه إلى أي زواج آخر فيكرر الدورة ذاتها.
وثالث ما يجب وهو ربما الأهم هو أن تستعيني بمختص. الاستشارة النفسية ليست ترفاً ولا دليلاً على الضعف، بل هي فعل العاقلة التي تعرف أن بعض العقد النفسية العميقة كالأثر الذي تركه الزواج بالإكراه العاطفي لا تُحَل بالقرارات الفردية وحدها. معالج نفسي أو مستشار أسري متخصص يمكنه مساعدتك على فهم ما إذا كان ما تشعرين به نفوراً حقيقياً لا علاج له، أم أنه أثر غضب قديم من قرار الزواج يمكن معالجته وربما الانعتاق منه.
وأخيراً، تذكري دائماً أن الله لم يجعل في الدين من حرج، وأن الفقه الإسلامي أعطى المرأة حق المطالبة بالانفصال إذا كانت لا تستطيع إقامة حدود الله مع زوجها، دون أن يشترط لذلك ذنباً منه. فإذا وصل بك الأمر بعد التأمل الصادق والاستشارة المتخصصة إلى يقين بأن الاستمرار يعني استمرار الظلم لكليكما، فاعلمي أن الفراق المحترم أرحم من العشرة المُعذِّبة، وأن الله حليم يعلم ما تكنّه الصدور.
- كلمات مفتاحية | الذكاء الاجتماعي, الميثاق الغليظ, نفور زوجي



