اعترافك شجاعة نادرة قد تكون أول طريق الإصلاح

Picture of محمد الشرشابي

محمد الشرشابي

رجاء إعداد سيرة مهنية مختصرة لوضعها مع مقالات الكاتب
الزواج في الإسلام ميثاق غليظ وصفه القرآن الكريم بهذا الوصف الذي لا يُطلق إلا على عهود ثقيلة من بينها العهد مع الأنبياء. وهذا الميثاق يفرض على كل طرف التزامات تتجاوز مجرد العيش تحت سقف...
اعترافك شجاعة نادرة قد تكون أول طريق الإصلاح

اعترافك شجاعة نادرة قد تكون أول طريق الإصلاح

س
أنا سيدة ثلاثينية، مضى على زواجي عشر سنوات من رجل وصفه الجميع بحسن الخلق والكرم وطيب المعشر، وهو كذلك فعلاً لا مبالغة في ذلك. لكن الحقيقة التي أحملها وحدي منذ بداية هذا الزواج أنني لم أقبل هذا الرجل زوجاً عن قناعة كاملة، إذ لم أجد في نفسي نحوه ميلاً ولا انجذاباً يوم تقدم لخطبتي، وإنما أقنعني به أبي وركنت إلى رأيه. ومضت السنوات ولم يتبدل هذا الشعور، بل أضيف إليه شعور بالنفور الذي تعمّق حين وجدت أنه يفتقر إلى الذكاء الاجتماعي وأن حضوره الاجتماعي باهت لا يشبه ما تشتهيه نفسي من شريك. فبتّ أبحث عن مسافة بيني وبينه، فكثّرت زياراتي لبيت أبي وشجعته هو على السفر مع أصدقائه، وهو يفعل ذلك عن طيب خاطر غير عالم بدوافعي الحقيقية. والذي يؤرقني الآن وأنا أكتب هذه الكلمات أنني أعاقبه دون ذنب، إذ أعامله أحياناً بحدة وقسوة، وقد أُحرجه أمام أهله وأهلي في مواقف أندم عليها لاحقاً. وتأنيب الضمير يلازمني ويكبر، وأنا في حيرة حقيقية لا أعرف كيف أخرج من هذه الدوامة. وسؤالي يحمل أكثر من وجه: كيف أتعامل مع مشاعر النفور التي لم تنشأ بسببه؟ وكيف أكفّ عن إيذائه بحدتي وكلامي؟ وهل ثمة طريق لإصلاح هذه العلاقة أو أن ما أشعر به يجعل الاستمرار ظلماً يقع عليه وعليّ معاً؟
جــــ

 

أيتها السيدة الفاضلة، ما كتبتِه ليس مجرد شكوى زوجية عابرة، بل هو اعتراف نادر بشجاعة نادرة. كثيرات يحملن ما تحملين ويدفنّه في أعماقهن خشية الحكم أو الخجل، فيكبر الجرح ويتقيّح دون أن يُعالج. أنتِ بتسمية ما تشعرين به وطلب النور فيه قد خطوتِ الخطوة الأولى والأصعب. فلتتسع نفسك لكلام صادق.

أولى الحقائق التي ينبغي أن تستقر في وعيك أن عدم الانجذاب العاطفي لشريك الحياة عند بداية الزواج ليس حكماً نهائياً على العلاقة ولا قضاءً مبرماً بفشلها، لكنه في الوقت ذاته ليس شيئاً يُهمل ويُتجاوز بحجة أن الرجل طيب. فالطيب وحده لا يملأ القلب إذا لم يُبنَ عليه شيء، والعلاقة الزوجية لا تحيا بالإقرار الذهني بمحاسن الآخر، بل تحتاج إلى أن يشعر القلب بشيء نحوه ولو كان بسيطاً في بدايته قابلاً للنمو.

وما تصفينه من أن شعورك لم يتغير طوال عشر سنوات يطرح سؤالاً جوهرياً لا مفر من مواجهته بصدق تام: هل بذلتِ في هذه السنوات جهداً حقيقياً لبناء ما يجعل القلب يميل؟ أم أن اللاوعي كان يقاوم أي تقارب منذ البداية؟ هذا التمييز مهم لأن المرأة التي لم تُعطِ العلاقة فرصة حقيقية تختلف حالها عمّن أعطت وأخفقت، وكلا الحالين يستحق معالجة مختلفة.

لكن دعينا نقف عند الجرح الحاضر الذي يؤلمك الآن وهو ما تصفينه من الحدة والقسوة والإحراج أمام الناس. اعلمي أن هذا السلوك ينبع في الغالب مما يسميه علماء النفس التفريغ العدواني الموجَّه نحو مصدر الضيق. فأنتِ لا تغضبين منه بسبب ذنب يرتكبه بل بسبب وجوده ذاته الذي صار عبئاً على نفس لم ترده. وهذا ظلم مركّب: ظلم له لأنه يعاقَب على شيء لا يد له فيه، وظلم لكِ لأن تأنيب الضمير الذي تحملينه يتراكم ويُثقل روحك. والنبي صلى الله عليه وسلم قال لا ضرر ولا ضرار، وهذا يشمل الضرر النفسي الذي يُلحقه الكلام الجارح والإحراج أمام الناس كما يشمل الضرر الجسدي، بل إن الإمام الغزالي رحمه الله أفاض في كتاب النكاح من الإحياء في بيان أن الإيذاء بالكلام والإهانة كبيرة يحاسب عليها القلب قبل اللسان.

والبعد الديني في مسألتك عميق ويستحق وقفة حقيقية. فالزواج في الإسلام ميثاق غليظ وصفه القرآن الكريم بهذا الوصف الذي لا يُطلق إلا على عهود ثقيلة من بينها العهد مع الأنبياء. وهذا الميثاق يفرض على كل طرف التزامات تتجاوز مجرد العيش تحت سقف واحد وتصل إلى المعاشرة بالمعروف التي أمر الله بها الأزواج. والمعاشرة بالمعروف ليست فقط في النفقة والكسوة، بل في الكلام واللحظة والمعاملة. وما تصفينه من الحدة والإحراج هو بلا شك بعيد عن المعاشرة بالمعروف، وأنتِ تدركين ذلك ويشهد عليه تأنيب ضميرك. وتأنيب الضمير هذا نعمة في حقيقته لأنه يدل على أن فطرتك سليمة ووجدانك يقظ ولم يُخدَّر بعد.

والآن إلى الجوهر: ما العمل؟

أول ما يجب هو أن تتوقفي عن الإحراج والحدة ليس لأنك صرت تحبينه فجأة، بل لأن هذا السلوك لا يليق بكِ قبل أن يليق به. المرأة المؤمنة الكريمة لا تُهين إنساناً جلس معها على مائدة واحدة وكان أمين بيتها وأبا أبنائها إن كان لكما أبناء، وإن لم يكن فهو على الأقل من خصّك بثقته وعشرته عشر سنوات. ضعي أمامك مبدأ واحداً: لا أتكلم في لحظة الغضب بكلام لن أرضاه في لحظة الهدوء.

وثاني ما يجب هو أن تسألي نفسك بجدية عما إذا كنتِ تريدين الإصلاح أم الخروج. فكلاهما طريق مشروع له شروطه وله حقوقه، لكن الخطأ هو الاستمرار في الحالة الراهنة دون قرار. فالاستمرار بلا محاولة حقيقية ظلم للطرفين، والخروج بلا تأمل وتمحيص قد يكون هروباً من الذات لا حلاً لها. إذ إن من ينفر من شيء في نفسه ويُسقطه على شريكه قد يحمل نفسه معه إلى أي زواج آخر فيكرر الدورة ذاتها.

وثالث ما يجب وهو ربما الأهم هو أن تستعيني بمختص. الاستشارة النفسية ليست ترفاً ولا دليلاً على الضعف، بل هي فعل العاقلة التي تعرف أن بعض العقد النفسية العميقة كالأثر الذي تركه الزواج بالإكراه العاطفي لا تُحَل بالقرارات الفردية وحدها. معالج نفسي أو مستشار أسري متخصص يمكنه مساعدتك على فهم ما إذا كان ما تشعرين به نفوراً حقيقياً لا علاج له، أم أنه أثر غضب قديم من قرار الزواج يمكن معالجته وربما الانعتاق منه.

وأخيراً، تذكري دائماً أن الله لم يجعل في الدين من حرج، وأن الفقه الإسلامي أعطى المرأة حق المطالبة بالانفصال إذا كانت لا تستطيع إقامة حدود الله مع زوجها، دون أن يشترط لذلك ذنباً منه. فإذا وصل بك الأمر بعد التأمل الصادق والاستشارة المتخصصة إلى يقين بأن الاستمرار يعني استمرار الظلم لكليكما، فاعلمي أن الفراق المحترم أرحم من العشرة المُعذِّبة، وأن الله حليم يعلم ما تكنّه الصدور.

ذات صلة
غراس الراحلين وزهور البشارة
والأصل في رؤية الميت أنه يُنظر إلى حاله وهيئته وما يصدر عنه من أفعال. فإذا ظهر الميت في صورة طيبة، منشغلًا...
المزيد »
الوحدة والعزلة..  
يمثل كبار السن شريحة مهمة في المجتمع لما يحملونه من خبرات وتجارب طويلة في الحياة، وقد أوصى الإسلام والمجتمعات...
المزيد »
دور الوالدين في ترسيخ احترام الأجداد
الأسرة هي اللبنة الأساسية في بناء المجتمع، وكلما كانت العلاقات داخلها قائمة على الحب والاحترام والتقدير،...
المزيد »
كيف يصبح الرجل قدوة صالحة لأبنائه وأسرته في الحياة اليومية؟
الأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع، ويُعد الرجل داخل بيته قائدا ومربيا تقع على عاتقه مسؤولية كبيرة...
المزيد »
الغيبة والنميمة بين النساء
الغيبة والنميمة من أخطر الآفات الأخلاقية التي تهدد تماسك المجتمع وتنشر العداوة والبغضاء بين الناس، وقد...
المزيد »
حلم الثراء السريع
أصبح حلم الثراء السريع من أكثر الأحلام التي تسيطر على عقول كثير من الشباب في هذا العصر، خاصة مع انتشار...
المزيد »
شريح القاضي وزينب..
في حياة قاضٍ كرّس عمره للفصل بين الخصوم وإنصاف المظلومين، تنبثق قصة زواج هي في حد ذاتها درسٌ بليغ في...
المزيد »
فن استقبال الضيوف في المنازل
يُعد استقبال الضيوف من أرقى العادات الاجتماعية التي تعكس أخلاق الإنسان وكرمه وحسن تربيته، وقد اهتمت المجتمعات...
المزيد »
صعوبات النطق عند الأطفال
صعوبات النطق عند الأطفال من المشكلات التي تحتاج إلى اهتمام مبكر حتى لا تؤثر في ثقة الطفل بنفسه أو قدرته...
المزيد »
التكنولوجيا الحديثة ودورها الفعال في تحسين حياة كبار السن
أصبحت التكنولوجيا الحديثة جزءا أساسيا من حياة الإنسان في مختلف المراحل العمرية، ولم تعد مقتصرة على الشباب...
المزيد »
التفرقة بين الأحفاد وآثارها النفسية ودور الأبوين في حماية الأبناء
يلعب الأجداد دورا مهما في حياة الأحفاد، فهم مصدر للحنان والخبرة والدعم العاطفي داخل الأسرة، لكن بعض الأجداد...
المزيد »
الصمت المفرط بين الزوجين
قد يبدو الصمت المبالغ فيه بين الزوجين هدوءا ظاهريا، لكنه قد يخفي وراءه فجوات عاطفية خطيرة تؤثر على الأسرة...
المزيد »
الرجل الحنون
الرجل الحنون نعمة عظيمة لأسرته، فهو مصدر الأمان العاطفي والاستقرار النفسي لزوجته وأبنائه، ومع التوازن...
المزيد »
سليطة اللسان تهدم البيت وتدمر العلاقات الأسرية
لكلمة الطيبة أساس الاستقرار الأسري والاجتماعي، بينما قد تؤدي حدة اللسان إلى مشكلات كبيرة تمس الزوج والأبناء...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك