![]()
إحساسك بالانزعاج نقطة البداية للخروج من هذا الاضطراب
- الأسرة المسلمة
- استشارات عائلية
- يوجه بها وفق رؤية دينية واجتماعية
- الكاتب الصحفي
- / محمد الشرشابي
محمد الشرشابي
إحساسك بالانزعاج نقطة البداية للخروج من هذا الاضطراب
- استشارات عائلية
ما تمرين به يستحق أن يُقال فيه الحق بوضوح ومحبة في آنٍ واحد، فأنتِ لستِ شريرة ولا ظالمة بطبيعتك، بل أنتِ إنسانة وقعت في واحدة من أعقد الاختبارات التي يبتلي الله بها الوالدين، وهي اختبار العدل حين تتفاوت النفس في ميولها. وقبل كل شيء، فإن مجرد إحساسك بالانزعاج من هذا الشعور ومراجعتك لنفسك مراراً دليلٌ على أن في قلبك أصلاً سليماً يأبى الظلم، وهذا الأصل هو نقطة البداية الحقيقية للخروج من هذا الاضطراب.
لكن لا بد من مواجهة الحقيقة أولاً: ما تفعلينه حين تُفضّلين ولديك على ابنتك في المعاملة ليس مجرد شعور قابل للتجاوز بالتبرير، بل هو في أحيان كثيرة يترجم نفسه إلى تصرفات محسوسة تقرأها الطفلة بفطرتها قبل أن تفهمها بعقلها. والطفل الذي يرى نفسه مُقصَّراً في الحب بلا ذنب يحمل جرحاً لا يُرى من الخارج لكنه يشكّل شخصيته وعلاقاته مع نفسه ومع الآخرين لعقود طويلة.
البُعد الديني في هذه المسألة جليٌّ لا يحتمل المداورة، فقد جاء في الصحيحين قول النبي صلى الله عليه وسلم لمن آثر بعض أبنائه على بعض في العطاء: “اتقوا الله واعدلوا بين أبنائكم”، وفي رواية أخرى أنه امتنع عن أن يكون شاهداً على هذا التفضيل. والعدل هنا لا يقتصر على المال والعطايا المادية، بل يشمل النظرة والابتسامة واللمسة الحانية والوقت والاهتمام، وكل ما يُشعر الطفل بأنه مرئيٌّ ومحبوب ومُقدَّر. وتذكري أن هذه الطفلة لم تختر ملامحها، وما من ذنب اقترفته حتى يُحجب عنها الحنان، وأن الله الذي خلقها على هيئتها هو ذاته الذي خلق ولديك على هيئتيهما، وفي ذلك ابتلاء لكِ لا نقيصة فيها.
والبُعد النفسي لا يقل أهمية، إذ إن ما تشعرين به ليس انعدام الحب الفطري للطفلة، بل هو استجابة مشروطة ارتبطت فيها ملامح الأب بتجربة سلبية مُركّبة، تلك التجربة المتمثلة في تعليقات الناس المؤلمة التي تُعيد كل مرة تذكيرك بأن اختيارك الزوجي كان موضع تشكيك. بمعنى آخر، ابنتك لا تُؤلمك بنفسها بل تُذكّرك بجرح قديم لم يشفَ بعد، وهو جرح رأي الناس فيك وفي اختياراتك. وتجاوز هذا يستلزم منك أن تُصالحي قراركِ الزواجي أولاً، فأنتِ اخترتِ رجلاً بأخلاقه وتدينه واستقراره، وهذه من أرفع معايير الاختيار التي حثّ عليها الدين، فلا تسمحي لتعليقات سطحية تنظر إلى القشور أن تنخر ثقتك بهذا القرار وتُحوّل ثمرته الأغلى وهي ابنتك إلى مصدر ضيق.
أما على صعيد الخطوات العملية، فابدئي بأن تُقرّري بوعي كامل أن تُعطي ابنتك حظاً أوفر من وقتك الخاص، وقتاً يخصّها وحدها بعيداً عن أخويها، تتحدثان وتضحكان وتصنعان ذكريات. وكلما وجدتِ الحاجز يعود، فاعتبريه تنبيهاً لا اتهاماً، وادفعيه بفعل إيجابي مقصود لا بإحساس الذنب وحده. وأوقفي أي تعليق على مظهرها أمامك، سواء جاء من أقارب أو صديقات، بحزم ومن دون تردد، لأن ابنتك إن سمعت هذه التعليقات فستبني عليها صورة عن نفسها تصعب إزالتها لاحقاً.
وفي الوقت ذاته، اسعي إلى رؤية ابنتك بعيون مختلفة، لا عيون المرآة الاجتماعية المسكونة بمعايير الجمال الضيقة. فالجمال الذي تحمله ابنتك قد يسكن في ذكاء عينيها أو في طريقة ضحكتها أو في طيبة قلبها، وهذه أبعاد لن تراها إلا حين تتوقفين عن النظر إليها من خلال مرايا الآخرين. وابحثي في طيّات شخصيتها عن الصفات التي تُحبينها في زوجها الذي أحببتِه لأجلها، فهي ترثها منه كما ورثت ملامحه.
وأخيراً، لا تستهيني بقيمة أن تطلبي العون ممن هو أعلم، فالدعاء بصدق أن يُوسّع الله في قلبك الحب لكل أبنائك بالتساوي ليس ضعفاً بل هو أعمق أشكال الوعي الروحي. وربما تحتاجين إلى الاستعانة بمختص نفسي يُساعدك على فك الاشتباك بين صورة زوجك وصورة ابنتك في وجدانك، لأن هذه الرحلة قد تحتاج مرافقاً متخصصاً يأخذ بيدك بأمان.
- كلمات مفتاحية | الحب المشروط, تقبل الذات, مشاعر الأم



