إحساسك بالانزعاج نقطة البداية للخروج من هذا الاضطراب

Picture of محمد الشرشابي

محمد الشرشابي

رجاء إعداد سيرة مهنية مختصرة لوضعها مع مقالات الكاتب
ما تفعلينه حين تُفضّلين ولديك على ابنتك في المعاملة ليس مجرد شعور قابل للتجاوز بالتبرير، بل هو في أحيان كثيرة يترجم نفسه إلى تصرفات محسوسة تقرأها الطفلة بفطرتها قبل أن تفهمها بعقلها. والطفل الذي...
إحساسك بالانزعاج نقطة البداية للخروج من هذا الاضطراب

إحساسك بالانزعاج نقطة البداية للخروج من هذا الاضطراب

س
أنا سيدة متزوجة من رجل يفتقر إلى الجمال الظاهر، وقد أقدمت على هذا الزواج بمحض إرادتي مدفوعةً بما رأيته فيه من الخُلق الرفيع والتدين والاستقرار المادي، متجاوزةً تحذيرات من حولي. رُزقت منه في البداية بولدين ورثا ملامحي وجمالي، فكان ذلك مدعاةً للسرور والحمد. غير أن الله رزقني بعد ذلك بابنة جاءت تحمل ملامح أبيها وسمات وجهه، فأخذ الناس يُعلّقون على مظهرها كلما رأوها، وهو ما أيقظ في نفسي شيئاً لم أتوقعه. بدأت أشعر بحاجز نفسي خفي يحول بيني وبين ابنتي، وأجد نفسي أميل بصورة لا إرادية نحو أخويها وأُفضّلهما عليها في المعاملة والعطاء، ثم سرعان ما تنتابني موجة من المراجعة الذاتية والندم، لأعود بعد حين فأقع في الشعور ذاته. وأخشى أن يؤثر ذلك على طفلتي نفسياً وهي لا تزال في طور التشكّل، وأن يُفسد العلاقة بين الأبناء. كيف أتخلص من هذا الشعور وأُحقق العدل بين أبنائي؟
جــــ

ما تمرين به يستحق أن يُقال فيه الحق بوضوح ومحبة في آنٍ واحد، فأنتِ لستِ شريرة ولا ظالمة بطبيعتك، بل أنتِ إنسانة وقعت في واحدة من أعقد الاختبارات التي يبتلي الله بها الوالدين، وهي اختبار العدل حين تتفاوت النفس في ميولها. وقبل كل شيء، فإن مجرد إحساسك بالانزعاج من هذا الشعور ومراجعتك لنفسك مراراً دليلٌ على أن في قلبك أصلاً سليماً يأبى الظلم، وهذا الأصل هو نقطة البداية الحقيقية للخروج من هذا الاضطراب.

لكن لا بد من مواجهة الحقيقة أولاً: ما تفعلينه حين تُفضّلين ولديك على ابنتك في المعاملة ليس مجرد شعور قابل للتجاوز بالتبرير، بل هو في أحيان كثيرة يترجم نفسه إلى تصرفات محسوسة تقرأها الطفلة بفطرتها قبل أن تفهمها بعقلها. والطفل الذي يرى نفسه مُقصَّراً في الحب بلا ذنب يحمل جرحاً لا يُرى من الخارج لكنه يشكّل شخصيته وعلاقاته مع نفسه ومع الآخرين لعقود طويلة.

البُعد الديني في هذه المسألة جليٌّ لا يحتمل المداورة، فقد جاء في الصحيحين قول النبي صلى الله عليه وسلم لمن آثر بعض أبنائه على بعض في العطاء: “اتقوا الله واعدلوا بين أبنائكم”، وفي رواية أخرى أنه امتنع عن أن يكون شاهداً على هذا التفضيل. والعدل هنا لا يقتصر على المال والعطايا المادية، بل يشمل النظرة والابتسامة واللمسة الحانية والوقت والاهتمام، وكل ما يُشعر الطفل بأنه مرئيٌّ ومحبوب ومُقدَّر. وتذكري أن هذه الطفلة لم تختر ملامحها، وما من ذنب اقترفته حتى يُحجب عنها الحنان، وأن الله الذي خلقها على هيئتها هو ذاته الذي خلق ولديك على هيئتيهما، وفي ذلك ابتلاء لكِ لا نقيصة فيها.

والبُعد النفسي لا يقل أهمية، إذ إن ما تشعرين به ليس انعدام الحب الفطري للطفلة، بل هو استجابة مشروطة ارتبطت فيها ملامح الأب بتجربة سلبية مُركّبة، تلك التجربة المتمثلة في تعليقات الناس المؤلمة التي تُعيد كل مرة تذكيرك بأن اختيارك الزوجي كان موضع تشكيك. بمعنى آخر، ابنتك لا تُؤلمك بنفسها بل تُذكّرك بجرح قديم لم يشفَ بعد، وهو جرح رأي الناس فيك وفي اختياراتك. وتجاوز هذا يستلزم منك أن تُصالحي قراركِ الزواجي أولاً، فأنتِ اخترتِ رجلاً بأخلاقه وتدينه واستقراره، وهذه من أرفع معايير الاختيار التي حثّ عليها الدين، فلا تسمحي لتعليقات سطحية تنظر إلى القشور أن تنخر ثقتك بهذا القرار وتُحوّل ثمرته الأغلى وهي ابنتك إلى مصدر ضيق.

أما على صعيد الخطوات العملية، فابدئي بأن تُقرّري بوعي كامل أن تُعطي ابنتك حظاً أوفر من وقتك الخاص، وقتاً يخصّها وحدها بعيداً عن أخويها، تتحدثان وتضحكان وتصنعان ذكريات. وكلما وجدتِ الحاجز يعود، فاعتبريه تنبيهاً لا اتهاماً، وادفعيه بفعل إيجابي مقصود لا بإحساس الذنب وحده. وأوقفي أي تعليق على مظهرها أمامك، سواء جاء من أقارب أو صديقات، بحزم ومن دون تردد، لأن ابنتك إن سمعت هذه التعليقات فستبني عليها صورة عن نفسها تصعب إزالتها لاحقاً.

وفي الوقت ذاته، اسعي إلى رؤية ابنتك بعيون مختلفة، لا عيون المرآة الاجتماعية المسكونة بمعايير الجمال الضيقة. فالجمال الذي تحمله ابنتك قد يسكن في ذكاء عينيها أو في طريقة ضحكتها أو في طيبة قلبها، وهذه أبعاد لن تراها إلا حين تتوقفين عن النظر إليها من خلال مرايا الآخرين. وابحثي في طيّات شخصيتها عن الصفات التي تُحبينها في زوجها الذي أحببتِه لأجلها، فهي ترثها منه كما ورثت ملامحه.

وأخيراً، لا تستهيني بقيمة أن تطلبي العون ممن هو أعلم، فالدعاء بصدق أن يُوسّع الله في قلبك الحب لكل أبنائك بالتساوي ليس ضعفاً بل هو أعمق أشكال الوعي الروحي. وربما تحتاجين إلى الاستعانة بمختص نفسي يُساعدك على فك الاشتباك بين صورة زوجك وصورة ابنتك في وجدانك، لأن هذه الرحلة قد تحتاج مرافقاً متخصصاً يأخذ بيدك بأمان.

ذات صلة
الرؤيا وحدها ليست مناطاً لقرارك في الخطبة
العري في المنام فهي من الرؤى التي اختلف العلماء في دلالتها اختلافاً واسعاً، ولا يصح إطلاق حكم واحد عليها...
المزيد »
اعترافك شجاعة نادرة قد تكون أول طريق الإصلاح
الزواج في الإسلام ميثاق غليظ وصفه القرآن الكريم بهذا الوصف الذي لا يُطلق إلا على عهود ثقيلة من بينها...
المزيد »
غراس الراحلين وزهور البشارة
والأصل في رؤية الميت أنه يُنظر إلى حاله وهيئته وما يصدر عنه من أفعال. فإذا ظهر الميت في صورة طيبة، منشغلًا...
المزيد »
الوحدة والعزلة..  
يمثل كبار السن شريحة مهمة في المجتمع لما يحملونه من خبرات وتجارب طويلة في الحياة، وقد أوصى الإسلام والمجتمعات...
المزيد »
دور الوالدين في ترسيخ احترام الأجداد
الأسرة هي اللبنة الأساسية في بناء المجتمع، وكلما كانت العلاقات داخلها قائمة على الحب والاحترام والتقدير،...
المزيد »
كيف يصبح الرجل قدوة صالحة لأبنائه وأسرته في الحياة اليومية؟
الأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع، ويُعد الرجل داخل بيته قائدا ومربيا تقع على عاتقه مسؤولية كبيرة...
المزيد »
الغيبة والنميمة بين النساء
الغيبة والنميمة من أخطر الآفات الأخلاقية التي تهدد تماسك المجتمع وتنشر العداوة والبغضاء بين الناس، وقد...
المزيد »
حلم الثراء السريع
أصبح حلم الثراء السريع من أكثر الأحلام التي تسيطر على عقول كثير من الشباب في هذا العصر، خاصة مع انتشار...
المزيد »
شريح القاضي وزينب..
في حياة قاضٍ كرّس عمره للفصل بين الخصوم وإنصاف المظلومين، تنبثق قصة زواج هي في حد ذاتها درسٌ بليغ في...
المزيد »
فن استقبال الضيوف في المنازل
يُعد استقبال الضيوف من أرقى العادات الاجتماعية التي تعكس أخلاق الإنسان وكرمه وحسن تربيته، وقد اهتمت المجتمعات...
المزيد »
صعوبات النطق عند الأطفال
صعوبات النطق عند الأطفال من المشكلات التي تحتاج إلى اهتمام مبكر حتى لا تؤثر في ثقة الطفل بنفسه أو قدرته...
المزيد »
التكنولوجيا الحديثة ودورها الفعال في تحسين حياة كبار السن
أصبحت التكنولوجيا الحديثة جزءا أساسيا من حياة الإنسان في مختلف المراحل العمرية، ولم تعد مقتصرة على الشباب...
المزيد »
التفرقة بين الأحفاد وآثارها النفسية ودور الأبوين في حماية الأبناء
يلعب الأجداد دورا مهما في حياة الأحفاد، فهم مصدر للحنان والخبرة والدعم العاطفي داخل الأسرة، لكن بعض الأجداد...
المزيد »
الصمت المفرط بين الزوجين
قد يبدو الصمت المبالغ فيه بين الزوجين هدوءا ظاهريا، لكنه قد يخفي وراءه فجوات عاطفية خطيرة تؤثر على الأسرة...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك