ألفة تضيق عن استيعاب المسافة

Picture of محمد الشرشابي

محمد الشرشابي

رجاء إعداد سيرة مهنية مختصرة لوضعها مع مقالات الكاتب
الخصوصية ليست نقيض المحبة، بل إحدى وسائل حمايتها. فكما أن الأرض تحتاج إلى فواصل بين الزروع حتى تنمو، كذلك القلوب تحتاج إلى مساحاتٍ صغيرة حتى تتجدد فيها الرغبة في اللقاء....
ألفة تضيق عن استيعاب المسافة

ألفة تضيق عن استيعاب المسافة

س
تزوّجتُ منذ أكثر من عشرين عامًا من رجلٍ جمعتني به مودةٌ عميقة وصحبة راقية، فكان بيننا من صفاء العشرة ما أذاب الحواجز، حتى صارت حياتنا مكشوفة التفاصيل، لا أسرار فيها ولا مسافات. كنا نعدّ ذلك ذروة القرب، وعلامة الصدق، ودليل الثقة. لكن مع مرور السنوات، تغيّرت أشياء خفيّة في داخلي؛ صرتُ أجد نفسي أحيانًا بحاجة إلى مساحةٍ صغيرة أختلي فيها بذاتي، أرتّب أفكاري، أو أحتفظ ببعض مشاعري دون مشاركة فورية. وأشعر – دون تصريح – أن زوجي يمرّ بشيءٍ مشابه. غير أن المشكلة تكمن في أن مجرد فتح هذا الموضوع بيننا يبدو كأنه تهديدٌ لهذه العلاقة المتماسكة؛ إذ قد يُفهم طلب الخصوصية على أنه رغبة في التباعد أو بداية انسحاب عاطفي، مما يثير القلق ويهزّ الإحساس بالأمان. فكيف يمكنني أن أتقبّل أولًا فكرة أن لزوجي مساحة تخصّه دون أن أشعر بأنه يبتعد عني؟ وكيف أستطيع أن أطرح رغبتي في قدرٍ من الخصوصية بأسلوبٍ لا يُفهم منه الفتور، بل يُفهم منه النضج؟
جــــ

ما تشعرين به ليس تراجعًا في الحب، بل تطوّرٌ طبيعي في صورته. فالعلاقات الإنسانية – وخاصة الزواج الطويل – لا تبقى على هيئة واحدة؛ بل تنتقل من طور الاندماج الكامل إلى طورٍ أعمق، تُعاد فيه صياغة القرب على نحوٍ أكثر نضجًا واتزانًا.

إن إلغاء الخصوصية تمامًا في بدايات الزواج قد يكون بدافع الشوق، أو رغبة في إثبات الثقة، لكنه مع الزمن قد يُرهق النفس دون أن نشعر. فالنفس البشرية – كما خلقها الله – تحتاج إلى لحظات خلوة، لا هروبًا من الآخر، بل عودةً إلى الذات. وقد كان من هدي النبي ﷺ أنه يخلو بنفسه أحيانًا، فدلّ ذلك على أن التوازن بين الصحبة والخلوة سُنّة إنسانية راشدة.

أول ما ينبغي إدراكه: أن الخصوصية ليست نقيض المحبة، بل إحدى وسائل حمايتها. فكما أن الأرض تحتاج إلى فواصل بين الزروع حتى تنمو، كذلك القلوب تحتاج إلى مساحاتٍ صغيرة حتى تتجدد فيها الرغبة في اللقاء.

أما عن تقبّلك لخصوصية زوجك، فالأمر يبدأ بإعادة تفسير هذا السلوك داخليًا؛ لا تنظري إلى انسحابه المؤقت كابتعاد عنك، بل كحاجة إنسانية لإعادة التوازن. الرجل – في كثير من الأحيان – يميل إلى الصمت حين يرهقه التفكير، لا لأنه لا يريد المشاركة، بل لأنه يريد أن يعود إليك بصورةٍ أفضل. فإذا منحتِه هذه المساحة دون قلق، عاد إليك أكثر صفاءً وهدوءًا.

وأما عن طرحك لرغبتك، فهنا تكمن الدقة. ليس المهم أن تقولي “أريد خصوصية”، بل كيف تقولينها. اجعلي حديثك مشبعًا بالطمأنينة، لا بالمطالبة. قولي – على سبيل المثال – إنك تشعرين أن نضج العلاقة بعد هذه السنوات الجميلة يدعوكما إلى شكلٍ أعمق من التفاهم، يقوم على الثقة التي لا تحتاج إلى انكشافٍ دائم، وأن وجود مساحة شخصية لكل منكما سيزيد من شوقكما للحديث، لا العكس.

تجنّبي ربط الخصوصية بأي لفظ يوحي بالانفصال، كـ”الاستقلال” أو “الابتعاد”، واستبدلي ذلك بتعابير مثل “تجديد النفس” أو “الهدوء الشخصي”. فالكلمات تصنع الانطباع الأول، والانطباع الأول قد يحكم على الفكرة كلها.

ومن المهم أيضًا أن تُترجم هذه الفكرة إلى سلوك عملي هادئ، لا إعلان مفاجئ. ابدئي بأفعال صغيرة: وقت تقضينه في قراءة، أو كتابة، أو تأمل، دون شرحٍ مطوّل، ومع ذلك تحافظين على دفء العلاقة في بقية الأوقات. سيعتاد هذا النمط تدريجيًا، ويصبح مقبولًا دون صدام.

ولا تنسي أن تُكثري من التعبير عن محبتك في المقابل؛ لأن الخصوصية إن لم تُغلف بالود، قد تُساء قراءتها. فكلما شعر زوجك بأن مكانته في قلبك ثابتة، تقبّل بسهولة أن لكِ عالمًا داخليًا خاصًا.

ومن البعد الإيماني، فإن التوازن في العلاقات من علامات الحكمة؛ فلا إفراط في الذوبان حتى تضيع الهوية، ولا تفريط في القرب حتى تجفّ المودة. وقد قال تعالى: “وجعل بينكم مودة ورحمة”، والمودة لا تعني الالتصاق الدائم، بل تعني دوام الود حتى مع وجود مسافاتٍ رحيمة.

إن أجمل ما في الزواج الطويل ليس أن يبقى كما بدأ، بل أن ينضج كما ينبغي؛ وأن يتعلّم الطرفان كيف يكونان قريبين دون أن يختنق أحدهما بالآخر، وكيف يمنحان بعضهما مساحةً لا تُضعف الرابط، بل تُحسن صيانته.

ذات صلة
سلوك طفلك لا يمثل حكما نهائيا على شخصيته
إذا استمر العنف بصورة شديدة ومتكررة، أو كان مصحوبًا بمشكلات واضحة في المدرسة والعلاقات الاجتماعية، أو...
المزيد »
صراخها دليل ضعف واضطراب.. فلا تخافي
أنتِ في موقع الأمان، ومن صرخ في وجهك يحمل همّه هو لا همّكِ، وما بدا من رضا الصامتة كان تعبيرًا عمّا أدركه...
المزيد »
دواء جديد يمنح الأمل لمرضى سرطان البنكرياس 
توصلت دراسة حديثة أجراها فريق من الباحثين في جامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس إلى نتائج مشجعة بشأن دواء جديد...
المزيد »
جودة الحياة في مرحلة الشيخوخة
تمثل مرحلة الشيخوخة إحدى المراحل الطبيعية في حياة الإنسان، وهي مرحلة تحمل الكثير من الخبرات والحكمة والتجارب...
المزيد »
دور الأجداد في حفظ الذاكرة الأسرية
الأسرة المؤسسة الأولى التي يتعلم فيها الإنسان القيم والعادات والتقاليد، وتبقى الأجيال المتعاقبة مرتبطة...
المزيد »
العبادة المشتركة بين الزوجين..
تقوم الحياة الزوجية الناجحة على أسس عديدة، من أهمها المودة والرحمة والتفاهم والتعاون، غير أن هناك ركيزة...
المزيد »
أخلاق النبوة سبيل الرجل لتحقيق القوامة
جعل الإسلام الأسرة نواة المجتمع وأساس استقراره، وحرص على أن تقوم العلاقات داخلها على المودة والرحمة والاحترام...
المزيد »
المرأة ركيزة أساسية في مواجهة الغلاء
تشهد العديد من المجتمعات في السنوات الأخيرة ارتفاعا ملحوظا في تكاليف المعيشة وأسعار السلع والخدمات، الأمر...
المزيد »
إضاعة الشباب للوقت
الوقت من أثمن النعم التي أنعم الله بها على الإنسان، فهو رأس المال الحقيقي الذي لا يمكن تعويضه أو استرجاعه...
المزيد »
الأخطاء التربوية
تربية الأبناء من أعظم المسؤوليات التي يتحملها الآباء والأمهات، فهي لا تقتصر على توفير الطعام والملبس...
المزيد »
تنظيم المساحات بالمنزل
يعد المنزل الملاذ الأول الذي يلجأ إليه الإنسان بعد يوم طويل من العمل أو الدراسة، ولذلك فإن توفير بيئة...
المزيد »
التسامح قيمة إسلامية عظيمة
التسامح من أعظم القيم الإنسانية التي دعا إليها الإسلام وحث عليها في مختلف جوانب الحياة، فهو خلق نبيل...
المزيد »
الرؤيا وحدها ليست مناطاً لقرارك في الخطبة
العري في المنام فهي من الرؤى التي اختلف العلماء في دلالتها اختلافاً واسعاً، ولا يصح إطلاق حكم واحد عليها...
المزيد »
إحساسك بالانزعاج نقطة البداية للخروج من هذا الاضطراب
ما تفعلينه حين تُفضّلين ولديك على ابنتك في المعاملة ليس مجرد شعور قابل للتجاوز بالتبرير، بل هو في أحيان...
المزيد »
اعترافك شجاعة نادرة قد تكون أول طريق الإصلاح
الزواج في الإسلام ميثاق غليظ وصفه القرآن الكريم بهذا الوصف الذي لا يُطلق إلا على عهود ثقيلة من بينها...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك