![]()
فقه المقاصد.. العلم الذي أعاد للشريعة روحها
من أدق لحظات تاريخ الفكر الإسلامي تلك اللحظة التي تجرّأ فيها العلماء على السؤال الأعمق من مجرد الحكم والفتوى، وهو: لماذا شرع الله هذا الحكم أصلاً؟ وما الغاية التي أراد الشارع الحكيم بلوغها من وراء هذا النص أو ذاك؟ من هذا السؤال الجريء وُلد علم فقه المقاصد، وانفتحت به نافذة واسعة على فهم الشريعة فهماً أشمل وأرسخ وأقدر على مواجهة تعقيدات الحياة الإنسانية في تحولاتها المتجددة.
بذور المقاصد في التراث الفقهي الأول
لم ينبثق علم المقاصد فجأةً من فراغ، ولم يكن إبداعاً مبتوراً عن جذوره التراثية، بل كانت بذوره متناثرة في تضاعيف الفقه الإسلامي منذ عهوده الأولى، غير أنها كانت تنمو دون أن تجد من يجمع شتاتها ويُحكم إطارها النظري. فالإمام الجويني المتوفى سنة 478 هجرية، والمعروف بإمام الحرمين، كان أول من أرسى أسس هذا العلم بصورة منهجية واضحة في كتابه “البرهان في أصول الفقه”، حين صنّف مقاصد الشريعة تصنيفاً رباعياً مهّد الطريق لمن جاء بعده. وقبله كان الإمام الغزالي المتوفى سنة 505 هجرية قد بنى على ما أرساه شيخه، فنقّح الفكرة وصبّها في قالب أكثر نضجاً في كتابه الخالد “المستصفى في علم الأصول”، حيث حدّد المصالح الخمس الكبرى التي تدور حولها الشريعة جمعاء، وهي حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، ثم رتّبها في مراتب ثلاث هي الضروريات والحاجيات والتحسينيات. غير أن هذه الجهود جميعها، على قيمتها ورسوخها، ظلت جهوداً تمهيدية تبحث عن يد عبقرية تُحكم بناءها وتُحوّلها من إشارات مبعثرة إلى علم مستقل بمنهجه وقواعده.
وقد جاءت تلك اليد من الأندلس الإسلامية، من رجل عاش في القرن الثامن الهجري وحمل لقب “إمام المقاصد” بلا منازع، هو أبو إسحاق إبراهيم الشاطبي المتوفى نحو سنة 790 هجرية، فحين أفرغ الشاطبي علمه في كتابيه الخالدين “الاعتصام” و”الموافقات في أصول الشريعة”، لم يكن يُضيف طابقاً جديداً على بناء قائم، بل كان يُشيّد الصرح من أساسه، ويمنح هذا العلم هويته المستقلة وجهازه المفاهيمي الكامل. وقد لخّص منهجه في عبارة باتت من كلاسيكيات الفكر الأصولي، حين أكّد أن الشريعة إنما وُضعت لمصالح العباد في العاجل والآجل معاً، وأن النصوص الجزئية لا تُفهم فهماً صحيحاً إلا في ضوء المقاصد الكلية التي جاءت لتحقيقها.
المقاصد الخمس الكبرى.. خارطة الإنسان في الشريعة
حين رسم علماء المقاصد خارطتهم الجامعة للشريعة، جاءت متمحورة حول خمس كليات كبرى هي بمثابة أعمدة الفلك يقوم عليها بناء الحياة الإنسانية كلها؛ فحفظ الدين يقف في صدارة هذه المقاصد لأنه الرابط بين الإنسان وخالقه والمحور الذي تدور حوله سائر الكليات، ولذلك شرعت أحكام العقيدة والعبادة والجهاد لصون هذا الرابط من كل ما يُهدده.
وحفظ النفس يأتي في المرتبة الثانية، وهو الذي أسّس لتحريم القتل وشرّع القصاص وأوجب الدفاع عن النفس، لأن الحياة البشرية مقدّسة في الشريعة لا تُستباح إلا بحقها. وحفظ العقل، ذلك المقصد الجليل الذي تضمنت الشريعة كثيراً من أحكامها لأجله، حتى كان تحريم الخمر والمسكرات لباً من لباب هذا المقصد الجليل لأن العقل هو المناط الذي تتعلق به التكاليف الشرعية ويتميز به الإنسان عن سائر المخلوقات.
وأما حفظ النسل فهو الضمانة التي تكفل استمرار الوجود الإنساني وتصون الأسرة من التفكك، فشُرعت له أحكام الزواج والطلاق والنسب ونظام المحارم والعقوبات الرادعة. وختاماً حفظ المال الذي أرسى له الفقهاء نظاماً متكاملاً من أحكام البيوع والإجارات وتحريم الربا والسرقة، لأن المال عصب الحياة وعليه تقوم مصالح الإنسان في دنياه. وتلك الكليات الخمس لم تُوضع كأحكام معزولة يقف كل واحد منها في زاوية بعيدة عن الآخر، بل هي منظومة متضامنة تتداخل وتتكامل ويخدم بعضها بعضاً، وهذا الإدراك للترابط الداخلي بين المقاصد هو ما يُميّز فقيه المقاصد عن فقيه النص الجزئي.
لماذا الحاجة إلى المقاصد؟ من التقنين إلى الروح
قد يتساءل متسائل: ما الذي يعجز عنه الفقه التقليدي القائم على النص المباشر حتى يُستدعى علم المقاصد؟ والجواب أن النصوص الشرعية، على غزارتها وشمولها، لا تستطيع أن تستوعب بصيغتها الحرفية كل ما يستجد من وقائع وأحداث وتحولات، فالوحي قد انقطع بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وما زال الزمن يُنتج ما لم يُنتجه من قبل من أسئلة ومستجدات لم يرد فيها نص صريح. فإذا اقتصر الفقيه على النص الجزئي وحده، وقف عاجزاً أمام ما لا نص فيه، أو أساء التطبيق حين أعمل النص في غير سياقه الصحيح فأنتج حكماً يناقض الغاية التي من أجلها شُرّع النص ابتداءً.
وقد ضرب العلماء على هذا المعنى أمثلة لا تُحصى، من أبرزها مسألة تأخير الصلاة في حالة القتال الشديد، إذ جاء النص بوجوب الصلاة في وقتها، لكن مقصد الشارع من الجهاد وصون الدولة الإسلامية قد يقتضي تأخيرها عند الضرورة القصوى، وهو ما أجازه الفقهاء استناداً إلى تقديم المقصد الكلي حين يتزاحم مع الحكم الجزئي. وعلى هذا الأساس بنى ابن القيم الجوزية مقولته الشهيرة بأن الفقه هو معرفة مقاصد الشريعة لا مجرد حفظ ألفاظها، وأن من قصر علمه على المتون دون المقاصد أفضى به ذلك إلى ظلم بدلاً من العدل وإلى مشقة بدلاً من اليسر.
ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن الحاجة إلى علم المقاصد لا تتجلى في ضرورة وجود فراغ تشريعي وحسب، بل تتجلى بصورة أعمق في ضرورة فهم النصوص الموجودة أصلاً فهماً صحيحاً. فالمقاصد ليست بديلاً عن النص، ولا هي مسوّغ للتحلل منه أو القفز فوقه، بل هي المنهاج الذي يُضيء النص ويكشف أبعاده ويُمكّن الفقيه من تنزيله على الواقع بما يحقق الغاية التي أرادها الشارع الحكيم، لا بما يُحقق حرفية اللفظ على حساب المعنى والغاية.
المقاصد في مواجهة التحديات الراهنة
لو أن علماء المقاصد الأوائل استيقظوا في زماننا هذا، لوجدوا أن العالم يطرح أسئلة لم تخطر على بال القرون الماضية، أسئلة من قبيل: ما حكم الذكاء الاصطناعي في إصدار الفتاوى؟ وكيف تتعامل الشريعة مع أخلاقيات الهندسة الجينية؟ وهل تحريم الربا الذي جاء لحفظ المال يمتد ليشمل أنظمة التداول الرقمي الحديثة؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا يمكن أن تأتي من مجرد تفتيش حرفي في المتون الفقهية القديمة، بل تستلزم العودة إلى المقاصد الكلية لاستخلاص الحكم من روح الشريعة حين تعجز ألفاظها عن الوصول إلى ما استجدّ.
ولعل أبرز ما أسهم به المعاصرون في تطوير هذا العلم ما صنعه الإمام الطاهر بن عاشور المتوفى سنة 1973 ميلادية في كتابه الرائد “مقاصد الشريعة الإسلامية”، حين أضاف إلى المقاصد الخمس الموروثة أبعاداً جديدة كمقصد الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية، موسّعاً الإطار المقاصدي ليستوعب متطلبات الحياة المعاصرة. وفي هذا التوسيع ما يدل على أن علم المقاصد ليس أثراً متحفياً تحنّطه الأجيال بل هو علم حيّ ينمو ويتطور مع الإنسان ومع ما يواجهه من أسئلة وتحديات. وإن الفقيه الذي يُحسن توظيف هذا العلم لا يُحكم على الواقع بمقاييس أُفرغت من مضامينها الإنسانية، بل يُحكم عليه بمقاييس تُحقق ما أراد الشارع تحقيقه من رفع الحرج ودفع المشقة وتيسير سبل الحياة الكريمة للإنسان في كل زمان ومكان.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | أبو إسحق إبراهيم الشاطبي, إمام الحرمين, الإمام الحويني, الإمام الغزالي, البرهان في أصول الفقه, علم المقاصد, مقاصد الشريعة



