ديورانت والإسلام المادي

تفكيك أسطورة اللذة الحسية في قصة الحضارة

يُعدّ الفيلسوف والمؤرخ الأمريكي ويل ديورانت (1885–1981) من أبرز من تناول التاريخ الإنساني من منظور فلسفي في موسوعته الشهيرة قصة الحضارة. اتسم منهجه بمزج التاريخ بالفكر،...
شبهة المادية في الإسلام بين النظرة الديورانتية وروح الرسالة

ديورانت والإسلام المادي

تفكيك أسطورة اللذة الحسية في قصة الحضارة

يُعدّ الفيلسوف والمؤرخ الأمريكي ويل ديورانت (1885–1981) من أبرز من تناول التاريخ الإنساني من منظور فلسفي في موسوعته الشهيرة قصة الحضارة. اتسم منهجه بمزج التاريخ بالفكر، وبنزعة إنسانية تميل إلى تمجيد العقل والتمدن المادي، مع نظرة نقدية للأديان التي يراها في جوهرها تعبيرًا عن الحاجة النفسية والاجتماعية للإنسان، لا عن الوحي الإلهي.
وفي إطار هذا التصور، قدّم ديورانت قراءته للحضارة الإسلامية بوصفها حضارة ازدهرت علميًا وفنيًا، لكنها – في نظره – لم تتحرر من «الميل المادي» الذي طبع العرب والمسلمين، فجعل الدين الإسلامي دينًا «حسيًّا» يدغدغ الغرائز أكثر مما يسمو بالروح، بحسب زعمه.

الشبهة: الإسلام دين مادي يقدّس اللذة

يقول ديورانت في أحد فصول قصة الحضارة إن الإسلام «دين واقعي لا يجنح إلى الزهد المفرط، بل يميل إلى المادية»، ويرى أن تشريعاته تتساهل مع التمتع بالمأكل والمشرب والملبس والنساء، وأن الفرد المسلم «يجد في الجنّة استمرارًا للملذات الأرضية»، ما يدلّ – في تصوّره – على أن الإسلام يعكس رؤية حسّية للعالم والآخرة.
ويضيف أن الحضارة الإسلامية، وإن تفوّقت في الفنون والعمارة والترف، فإنها لم تبلغ في رأيه مستوى «التأمل الفلسفي» الذي يسمو بالروح كما في المسيحية أو البوذية، مما يجعلها حضارة مادية المظهر، عاجزة عن الإبداع الروحي العميق.

الردّ والتحليل الشرعي

هذا الزعم مردود من وجوه عدّة، أهمها أن الإسلام لا يعادي المادة، ولا يقدّسها؛ بل يُقرّها في موضعها الصحيح ضمن التوازن الذي أراده الله بين حاجات الجسد ومتطلبات الروح. قال تعالى:

«وابتغِ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا» (القصص: 77).

فالآية تؤسس لمبدأ الوسطية الذي يوازن بين الزهد والتمتّع، وبين العبادة والعمل، وهي قاعدة كبرى في الفقه الإسلامي ومقاصد الشريعة. فالمؤمن لا يُطلب منه كبت فطرته، بل تهذيبها لتكون وسيلة لعبادة الله لا غاية قائمة بذاتها.

أما ما يظنه ديورانت «نزعة حسية»، فهو في الحقيقة تكريم للإنسان بما أودعه الله فيه من طاقات فطرية، لا تأليه للشهوة. فالحلال في الإسلام ليس انغماسًا، بل انضباط بضوابط شرعية ترفع الغريزة من مرتبة البهيمية إلى مرتبة العبودية الواعية. قال النبي ﷺ:

«وفي بُضع أحدكم صدقة». قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: «أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر». (رواه مسلم)

أما تصوير الجنة بملذّات محسوسة، فهو أسلوب ترغيبي بلاغي يُقرّب المعنى للإنسان بما يعرفه من لذّات الدنيا، كما قال تعالى:

«فلا تعلم نفس ما أُخفي لهم من قرة أعين» (السجدة: 17)،
أي أن حقيقة النعيم فوق ما يتصوّره الحسّ، وليس تكرارًا مادّيًا لملذّات الأرض كما توهّم ديورانت.

في ميزان المقاصد: المادة في خدمة الروح

الإسلام يقرّر أن المادة وسيلة للعمارة والتكليف لا غاية للوجود. فالتملك والسعي واللذة كلها تدخل ضمن نطاق العبادة متى التزم الإنسان حدود الله. وقد أثبت التاريخ أن الحضارة الإسلامية بلغت قمة التوازن حين جمعت بين روح العبادة وفاعلية العمران، فشيّدت المساجد بجوار الأسواق، وقرنت بين العلم والدين، وجعلت الاقتصاد في خدمة العدالة الاجتماعية.

أما ديورانت فوقع في مغالطة فلسفية مزدوجة: إذ أسقط رؤيته الغربية عن «الروحانية الزاهدة» على الإسلام، واعتبر غياب الزهد المفرط ضعفًا في الوعي الديني، مع أن الإسلام رفض الرهبانية لأنها تقطع الإنسان عن مسؤوليته العمرانية والاجتماعية.

خاتمة: إحياء المعنى الإنساني في الإسلام

إن قراءة ديورانت للإسلام من زاوية «المادية» تكشف قصور الفلسفة المادية ذاتها عن فهم التكامل في التصور الإسلامي للإنسان، حيث لا تعارض بين الجسد والروح، ولا بين الدنيا والآخرة. فالإسلام لا يقدّس اللذة، ولا يحتقرها، بل يوجّهها لتكون طريقًا إلى الله لا حجابًا عنه.
وهنا تتجلى عظمة الإسلام، لا في إنكار المادة كما أراد ديورانت، بل في تسخيرها لخدمة الروح، لتظلّ الحضارة الإسلامية شاهدًا على أن الإيمان الحق لا ينفصل عن العمل، ولا تُبنى الجنة إلا على أرضٍ معمورةٍ بالعدل والإحسان.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
عبد الله بن المبارك..
عبد الله بن المبارك من أعظم علماء المسلمين في عصر تابعي التابعين، وقد جمع بين العلم والعبادة والجهاد...
المزيد »
المقاصد الخمس الكبرى..
حين رسم علماء المقاصد خارطتهم الجامعة للشريعة، جاءت متمحورة حول خمس كليات كبرى هي بمثابة أعمدة الفلك...
المزيد »
دعاء الاستفتاح.. همسةٌ ضاعت في مطلع الصلاة
دعاء الاستفتاح هو ما يُقال بعد تكبيرة الإحرام وقبل البسملة والفاتحة، وهو سنة مؤكدة ثبتت بأحاديث صحيحة...
المزيد »
أورنك زيب..
كان محيي الدين محمد أورنك زيب مزيج نادر يجمع بين ثقل الملك وخشوع المصلي وصرامة الفقيه وصبر المحارب، وُلد...
المزيد »
التواضع.. خلق عظيم يرفع مكانة المسلم بين الناس
التواضع من أعظم الصفات التي دعا إليها الإسلام، وهو خلق نبيل يعكس نقاء القلب وصفاء النفس، ويجعل الإنسان...
المزيد »
الاجتهاد أساس استنباط الأحكام ومواكبة قضايا الحياة المعاصرة
الاجتهاد من أهم الخصائص التي تميزت بها الشريعة الإسلامية، فهو الوسيلة التي يتمكن بها العلماء من استنباط...
المزيد »
ضرار بن الأزور.. الفارس الذي كان يقتحم الموت ضاحكًا
كان ضرار بن الأزور واحدًا من الأسماء التي صنعت من البطولة سيرةً تتجاوز حدود التاريخ، كما كان من أولئك...
المزيد »
توجيه الخطاب الديني لقضايا الأسرة
الأسرة هي اللبنة الأساسية في بناء المجتمع، فإذا صلحت الأسرة صلح المجتمع كله، وإذا تفككت ضعفت الروابط...
المزيد »
ذكاء الداعية وفطنته أساس نجاحه في تبليغ رسالته 
الدعوة إلى الله من أعظم المهام التي يقوم بها الإنسان، فهي رسالة الأنبياء والمرسلين، ووسيلة هداية الناس...
المزيد »
حقيقة انتشار الإسلام بالحكمة والعدل
شبهة انتشار الإسلام بالسيف من أكثر الشبهات التي يرددها بعض المشككين في الدين الإسلامي، وقد ظهرت هذه الفكرة...
المزيد »
الوجودية عند جان بول سارتر وأثرها في الفكر الإنساني المعاصر
كان سارتر يرى أن الإنسان يولد بلا غاية محددة أو طبيعة ثابتة، ثم يقوم بنفسه بصنع شخصيته وتحديد أهدافه...
المزيد »
الصدقُ العاطفي في الخطبة..
في كل جمعة، يصعد الخطيب المنبر وأمامه حشدٌ من الوجوه المتباينة في أحوالها وأعمارها وما تحمله من هموم...
المزيد »
العِلمُ شرطُ الشهادة..
ثمة آيةٌ في كتاب الله تعالى تقف أمامها متأملاً فتُدهشك في كل مرة بعمقها وسموّ دلالتها، وهي قوله جل وعلا...
المزيد »
آراء العلماء المعاصرين
يرى جمهور كبير من العلماء المعاصرين جواز إخراج الزكاة وتحويلها عبر المنصات الإلكترونية والتطبيقات البنكية،...
المزيد »
الطلاق السني والبدعي عند الإمام أبي حنيفة
الطلاق من الأحكام الشرعية التي نظمها الإسلام بدقة؛ حفاظا على استقرار الأسرة وتقليل آثار الانفصال السلبية،...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك