دعوات التمكين.. هدمٌ ناعم لبنية المجتمع

تتردد في السنوات الأخيرة شعارات “تمكين المرأة” في كل محفل، حتى غدت كأنها كلمة السرّ لأي إصلاحٍ اجتماعي أو نهضةٍ حضارية. غير أن وراء هذه الدعوات التي ترفع لواء الحرية والعدالة....
دعوات التمكين.. هدمٌ ناعم لبنية المجتمع

دعوات التمكين.. هدمٌ ناعم لبنية المجتمع

دعوات التمكين.. هدمٌ ناعم لبنية المجتمع

تتردد في السنوات الأخيرة شعارات “تمكين المرأة” في كل محفل، حتى غدت كأنها كلمة السرّ لأي إصلاحٍ اجتماعي أو نهضةٍ حضارية. غير أن وراء هذه الدعوات التي ترفع لواء الحرية والعدالة، مشروعًا أعمق من الظاهر، يستهدف بنية المجتمع من الداخل تحت ستار التحديث والمساواة. فالمسألة لم تعد تمكينًا بالمعنى الشريف للكلمة، بل تحوّلت إلى إعادة هندسةٍ للهيكل الاجتماعي وفق التصور الغربي الذي يفصل الأدوار ويخلط القيم ويعيد تعريف العلاقة بين الرجل والمرأة من منظورٍ ماديٍّ بحت.

التمكين بين المعنى الحقيقي والمغلوط

التمكين في المفهوم الإسلامي قيمة رفيعة، تعني إعطاء الإنسان القدرة على أداء رسالته في الحياة، وتحقيق العدل والعبودية لله في مجاله، رجلاً كان أو امرأة. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾، فالتمكين الحقّ هو الذي يعمّر الأرض بالإيمان والعمل الصالح.
لكن الفكر النسوي الحداثي اختطف هذا المصطلح، ليحوّله من وسيلةٍ للبناء إلى أداةٍ للتمرد على الأدوار الفطرية والضوابط الشرعية، فصار التمكين في نظره معركةً ضد الرجل، لا مشروعًا للتكامل معه، وصار معيار القوة هو القدرة على نفي الفوارق لا استثمارها في التوازن الاجتماعي.

التمكين كأداة تفكيك للأسرة

حين تُطرح برامج “تمكين المرأة” بمعزلٍ عن الأسرة، تتحول إلى أداة لتقويضها. فبدل أن يُمكَّنَت المرأة في ظلّ بيتٍ متماسكٍ ومجتمعٍ متكافل، يُدفع بها إلى مواجهةٍ صريحةٍ مع نظام الأسرة والواجبات الشرعية.
تُغرس في ذهنها فكرة أن الإنجاب قيدٌ، وأن الأمومة عبءٌ، وأن رعاية البيت ضعفٌ، لتُستبدل مفاهيم الرعاية والعطاء بمفاهيم التنافس والسيطرة. وهكذا يُعاد رسم المجتمع من جديد على صورة الفرد المنعزل الذي لا يرى في الروابط إلا عبئًا، ولا في الأسرة إلا مؤسسةً تقليديةً يجب تجاوزها.

صناعة المرأة المستقلة اقتصاديا.. أم المفككة اجتماعيا؟

كثيرٌ من مشاريع “التمكين الاقتصادي” تُروَّج على أنها تحريرٌ من الحاجة، لكنها في حقيقتها تحويلٌ للمرأة إلى أداةٍ إنتاجية تُساق لتلبية متطلبات السوق العالمي، لا حاجات المجتمع المحلي. فحين يُختزل دور المرأة في الكسب المادي، وتُهمَّش رسالتها في التربية والرعاية، يُفقد المجتمع قلبه الذي يمده بالحنان والاستقرار.
لقد نجح الغرب في إقناع بعض بناتنا أن التمكين مرادفٌ للخروج من البيت، بينما الواقع أن الإسلام مكّن المرأة من داخل بيتها وخارجه معًا، فأعطاها الأمان والكرامة دون أن يُفرغها من أنوثتها أو يُحمّلها أعباء الرجال.

الإسلام.. التمكين بالتكامل لا بالصراع

الإسلام لا يعرف الصراع بين الرجل والمرأة، بل يعرف التكامل بينهما، فكلٌّ مهيأٌ لدورٍ يليق بفطرته ووظيفته في البناء. فالتمكين في التصور الإسلامي لا يقوم على إلغاء القوامة ولا على تحطيم الأسرة، بل على إقامة العدل والتكافؤ في المسؤوليات والحقوق.
إن تمكين المرأة في الإسلام هو أن تتعلم وتعمل وتعبد الله على بصيرة، لا أن تُستدرج إلى مشروعاتٍ تُفرغها من رسالتها. فالعدالة التي ينشدها الإسلام ليست مساواة شكلية تُلغِي الفروق الطبيعية، بل موازنة حكيمة بين الاختلاف والتكامل.

التمكين.. حين يتحول إلى سلاح ناعم

الدعوات النسوية الحديثة لا تكتفي بإعادة تعريف أدوار المرأة، بل تسعى إلى إعادة تشكيل مفهوم المجتمع نفسه. فهي تمسّ بنية الأسرة، وتضعف روابطها، وتُقنع الأجيال الجديدة بأن الموروث الديني والخلقي هو السبب في “التمييز” و“الظلم”، ليصبح التمكين بوابةً إلى علمنةٍ شاملة للقيم والعلاقات.
وهكذا يتحول “التمكين” من شعارٍ تنموي إلى سلاحٍ ناعمٍ للهدم الثقافي، يُفرّغ المرأة من رسالتها، ويُفكك المجتمع باسم الحرية، ويقود في النهاية إلى مجتمعٍ هشٍّ بلا جذور ولا ضوابط ولا هوية.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
البصيرة في الإسلام..
تعد البصيرة من أعظم المعاني التي دعا إليها الإسلام، فهي ليست مجرد معرفة بالمعلومات أو القدرة على إدراك...
المزيد »
من جمال الكلمة إلى نور الهداية..
ارتبط الأدب منذ القدم بقدرة الكلمة على التأثير في النفوس وتشكيل الوعي والتعبير عن المشاعر والأفكار. والكلمة...
المزيد »
المأمون والإمام أحمد..
في العاشر من أغسطس سنة 833م، الموافق سنة 218هـ، توفي الخليفة العباسي عبد الله المأمون في بلاد الروم،...
المزيد »
تحولات المجتمع واختبار الأخلاق..
تحتل الأخلاق مكانة أساسية في حياة الإنسان، فهي الإطار الذي ينظم علاقته بنفسه وبأسرته ومجتمعه، وتحدد طبيعة...
المزيد »
إخراج القيمة في الزكاة..
الزكاة من أعظم العبادات المالية في الإسلام، وقد اعتنى الفقهاء ببيان أحكامها وتفصيل مسائلها، ومن المسائل...
المزيد »
المنهج الدعوي عند الصحابة
يمثل عصر الصحابة رضي الله عنهم مرحلة مهمة في تاريخ الدعوة الإسلامية، فقد شهد انتشار الإسلام من شبه الجزيرة...
المزيد »
التيارات الفكرية بين الانفتاح الثقافي والثوابت الدينية
يشهد العالم المعاصر انفتاحا ثقافيا واسعا بفعل التطور الكبير في وسائل الاتصال وتكنولوجيا المعلومات، حتى...
المزيد »
القياس في أصول الفقه..
يعد القياس من أهم الأدلة التي اعتمد عليها علماء أصول الفقه في استنباط الأحكام الشرعية للوقائع التي لم...
المزيد »
فقه الواقع وأهميته في نجاح الداعية المعاصر
من العلوم والمعارف المهمة التي يحتاج إليها الداعية في عصرنا الحاضر فقه الواقع، إذ لم تعد الدعوة تقتصر...
المزيد »
الخطابة..
الخطابة من أقدم فنون التواصل التي عرفها الإنسان، ومن أكثرها قدرة على التأثير في العقول والمشاعر وتوجيه...
المزيد »
شبهة تعدد الزوجات..
تعد شبهة تعدد الزوجات من أكثر الشبهات التي تتكرر عند الحديث عن مكانة المرأة في الإسلام، إذ يذهب بعض المنتقدين...
المزيد »
الإشارة المعهودة للأخرس كالبيان باللسان..
تعد القواعد الفقهية من أهم العلوم التي تكشف عن سعة الفقه الإسلامي وقدرته على استيعاب مختلف الوقائع والأحوال،...
المزيد »
فقه الأقليات المسلمة
يعد فقه الأقليات المسلمة من المجالات الفقهية المعاصرة التي اكتسبت أهمية متزايدة مع اتساع وجود المسلمين...
المزيد »
المضاربة..
المضاربة من أبرز صيغ الاستثمار التي أقرها الفقه الإسلامي، وهي تقوم على التعاون بين طرفين، يقدم أحدهما...
المزيد »
الإمام الشاطبي وبناء علم المقاصد الشرعية
يعد الإمام أبو إسحاق الشاطبي واحدا من أبرز علماء أصول الفقه الذين أسهموا في ترسيخ علم المقاصد الشرعية...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك