“جَنَفًا”: ميل عن الحق بغير قصد

كلمة "جَنَفًا" تمثل صورةٍ دقيقة للميل عن العدل، لكنها في الوقت ذاته تُعبّر عن خطأٍ غير مقصود، يكشف عن عمق الدقة البيانية في التعبير القرآني....
" لَا فِيهَا غَوْلٌ".. خمر الجنة لذة بلا ألم

“جَنَفًا”: ميل عن الحق بغير قصد

كلمة “جَنَفًا” تمثل صورةٍ دقيقة للميل عن العدل، لكنها في الوقت ذاته تُعبّر عن خطأٍ غير مقصود، يكشف عن عمق الدقة البيانية في التعبير القرآني.

الجذر اللغوي والاشتقاق

تُشتق كلمة جنف من الجذر (ج ن ف)، وهو أصلٌ يدل على الميل والاعوجاج. يقال في العربية: جنف عن الحق أي مال عنه، ورجل أجنف أي مائل في سيره أو في حكمه. ومنه سُمّي الجانب المنحني من الجبل “جنفًا”، إشارة إلى الانحراف اليسير عن الاستواء.

المعنى في السياق القرآني

قال تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 182].
المقصود بالجنف هنا هو الخطأ في الوصية عن غير قصدٍ أو تعمّد، كأن يوصي الموصي بأمرٍ فيه ظلم أو جور، ظنًّا منه أنه يفعل الخير، أو لجهله بالحكم الشرعي. أما “الإثم” فمقصود به الميل عن الحق عن سابق نيةٍ وتعمدٍ للظلم.

الفارق بين الجنف والإثم

يفرّق المفسرون بينهما بأن الجنف ميل غير متعمد، بينما الإثم انحراف متعمّد عن العدل. وبهذا يراعي القرآن الفارق بين من يخطئ بحسن نية ومن يتعمد الفساد. فالآية تُجيز لمن علم بوصيةٍ فيها جنف أو إثم أن يُصلح بين الورثة ويعيد الحق إلى نصابه، دون أن يُعدّ مبدلًا لوصية الميت، لأن مقصده الإصلاح لا الإفساد.

دلالة الكلمة في البناء القرآني

تتجلى بلاغة القرآن في اختياره لكلمة “جنفًا” دون غيرها، فهي تُوحِي بقدرٍ من الانحراف لا يبلغ حدّ الجور الكامل، كما أن إيقاعها الصوتي يحمل رنّةً توحي بالميل الخفيف، على عكس كلماتٍ أخرى كـ”زيغ” أو “انحراف” التي تفيد الميل التامّ. وهكذا يُبرز التعبير القرآني كيف يمكن أن يكون الخطأ في النية أو الفهم مزلّة تحتاج إلى إصلاح لا إلى اتهام.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
دور الأدب في نشر القيم الدينية وبناء الوعي المجتمعي
الأدب من أبرز وسائل التعبير الإنساني، فهو لا يقتصر على كونه فنا يهدف إلى الإمتاع وإثارة المشاعر، بل يؤدي...
المزيد »
«إن الذي يمد رجله لا يمد يده»..
في القرن التاسع عشر، قاد إبراهيم باشا، نجل والي مصر محمد علي باشا، حملة عسكرية على بلاد الشام، وتمكن...
المزيد »
الرحمة والتسامح
تُعد الرحمة والتسامح من أسمى القيم الإنسانية التي قامت عليها الحضارات، وارتقت بها الأمم، واستقامت بها...
المزيد »
الانقياد..
كلمة لا إله إلا الله عقد متكامل الأركان، شرطه الأول النطق والعلم واليقين، وشرطه الأعمق والأصعب ذلك الانقياد...
المزيد »
الملائكة في بدر..
تتردد بين الحين والآخر شبهات حول ما ورد من مشاركة الملائكة في غزوة بدر في أروقة الجدل الفكري والديني،...
المزيد »
السنة النبوية..
السنة النبوية المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم، وهي البيان العملي والتطبيقي لما جاء في...
المزيد »
الحكمة والموعظة الحسنة
تقوم الدعوة الإسلامية على أسس راسخة تجمع بين سلامة المنهج، وحسن الأسلوب، ووضوح المقصد، وقد جعل الإسلام...
المزيد »
الخطاب الديني المتوازن
الخطاب الديني من أكثر وسائل التأثير حضورا في حياة المجتمعات، لما يستند إليه من مرجعية شرعية وثقة جماهيرية،...
المزيد »
الوجودية.. محاولة الإجابة عن أسئلة الحرية والغاية والمسؤولية
الوجودية من أبرز التيارات الفكرية والفلسفية التي ظهرت في العصر الحديث، وقد ركزت على الإنسان بوصفه محورا...
المزيد »
ابن حنبل: الصلاة لا تسقط بسبب المرض
الصلاة من أعظم العبادات في الإسلام، وقد أوجبها الله تعالى على المسلمين في جميع الأحوال، مع مراعاة قدرة...
المزيد »
«الكاش باك» في ميزان الفقه الإسلامي..
برامج الاسترداد النقدي أو ما يُعرف بـ«الكاش باك» من الأساليب الحديثة التي انتشرت في المعاملات التجارية...
المزيد »
«الحقيقة تُترك بدلالة العادة»..
قاعدة "الحقيقة تُترك بدلالة العادة" من القواعد الفقهية التي تُبرز أثر العرف والعادة في فهم الألفاظ وتفسير...
المزيد »
ابنة الجون..
تُعد قصة أميمة بنت النعمان بن شراحيل، المعروفة بـ"ابنة الجون"، من المواقف التي أظهرت جانبا عظيما من أخلاق...
المزيد »
قراءة البسملة في الصلاة
البسملة من المسائل التي تناولها الفقهاء بالبحث والدراسة، لما لها من ارتباط بقراءة القرآن الكريم في الصلاة،...
المزيد »
مواضع العفو عن النجاسة المغلظة..
الطهارة من أهم أبواب الفقه الإسلامي، إذ ترتبط بصحة العبادات، ولا سيما الصلاة التي لا تصح مع وجود النجاسة...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك