بين “ما يدريك” و”ما أدراك”..  دلالات الاستفهام القرآني

يأتي التعبير القرآني بصيغتين متمايزتين: "ما يدريك" بصيغة المضارع، و"ما أدراك" بصيغة الماضي. وقد أجمع العلماء أن هذا الاختلاف ليس شكلياً، بل يحمل دلالة عميقة؛ فحين يرد الاستفهام بالمضارع، لا يُنتظر جواب في الآيات التالية،...
بين "ما يدريك" و"ما أدراك"..  دلالات الاستفهام القرآني

بين “ما يدريك” و”ما أدراك”..  دلالات الاستفهام القرآني

يأتي التعبير القرآني بصيغتين متمايزتين: “ما يدريك” بصيغة المضارع، و“ما أدراك” بصيغة الماضي. وقد أجمع العلماء أن هذا الاختلاف ليس شكلياً، بل يحمل دلالة عميقة؛ فحين يرد الاستفهام بالمضارع، لا يُنتظر جواب في الآيات التالية، إذ هو نفي للإدراك في الحال والمستقبل. أما إذا جاء بصيغة الماضي، فإن الجواب يأتي بعدها مباشرة، حيث يُخبر الله نبيه بما أراد أن يطلعه عليه، فيتحقق الإدراك بالوحي.

“ما يدريك”: غياب الإجابة وتأكيد الغيب

في مواضع مثل قوله تعالى: “وما يدريك لعل الساعة تكون قريباً” (الأحزاب: 63)، أو قوله: “وما يدريك لعله يزكّى” (عبس: 3)، نجد أن الاستفهام يرسخ حقيقة أن علم الغيب عند الله وحده، وأن النبي ﷺ لا يُطلَع على تفاصيله. هنا يغيب الجواب، ليبقى المعنى معلقاً في دائرة الغيب، مؤكداً أن المستقبل لا يعلمه إلا الله.

“ما أدراك”: حضور الإجابة وكشف الحقائق

أما حين يقول الله تعالى: “وما أدراك ما الحاقة” (الحاقة: 3)، أو “وما أدراك ما ليلة القدر” (القدر: 2)، فإن الآيات التالية تكشف المعنى وتفسره، فيُدرى النبي ﷺ بما أراد الله أن يبينه. هذا الأسلوب يفتح باب المعرفة ويزيل الغموض، ليُرسخ الحقائق الكبرى مثل يوم الدين، النار، أو ليلة القدر، في وعي المؤمنين.

حكمة التنويع في الخطاب

هذا التنويع بين “ما يدريك” و”ما أدراك” يعكس حكمة بلاغية عميقة؛ فالأول يرسخ حدود المعرفة البشرية أمام الغيب، والثاني يكشف الحقائق التي أراد الله أن يبينها لعباده. وهكذا يصبح الاستفهام القرآني أداة تربوية، يعلّم المؤمنين أن الغيب لا يُدرك إلا بإذن الله، وأن ما يكشفه الوحي هو الحق الذي لا ريب فيه.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
دور الأدب في نشر القيم الدينية وبناء الوعي المجتمعي
الأدب من أبرز وسائل التعبير الإنساني، فهو لا يقتصر على كونه فنا يهدف إلى الإمتاع وإثارة المشاعر، بل يؤدي...
المزيد »
«إن الذي يمد رجله لا يمد يده»..
في القرن التاسع عشر، قاد إبراهيم باشا، نجل والي مصر محمد علي باشا، حملة عسكرية على بلاد الشام، وتمكن...
المزيد »
الرحمة والتسامح
تُعد الرحمة والتسامح من أسمى القيم الإنسانية التي قامت عليها الحضارات، وارتقت بها الأمم، واستقامت بها...
المزيد »
الانقياد..
كلمة لا إله إلا الله عقد متكامل الأركان، شرطه الأول النطق والعلم واليقين، وشرطه الأعمق والأصعب ذلك الانقياد...
المزيد »
الملائكة في بدر..
تتردد بين الحين والآخر شبهات حول ما ورد من مشاركة الملائكة في غزوة بدر في أروقة الجدل الفكري والديني،...
المزيد »
السنة النبوية..
السنة النبوية المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم، وهي البيان العملي والتطبيقي لما جاء في...
المزيد »
الحكمة والموعظة الحسنة
تقوم الدعوة الإسلامية على أسس راسخة تجمع بين سلامة المنهج، وحسن الأسلوب، ووضوح المقصد، وقد جعل الإسلام...
المزيد »
الخطاب الديني المتوازن
الخطاب الديني من أكثر وسائل التأثير حضورا في حياة المجتمعات، لما يستند إليه من مرجعية شرعية وثقة جماهيرية،...
المزيد »
الوجودية.. محاولة الإجابة عن أسئلة الحرية والغاية والمسؤولية
الوجودية من أبرز التيارات الفكرية والفلسفية التي ظهرت في العصر الحديث، وقد ركزت على الإنسان بوصفه محورا...
المزيد »
ابن حنبل: الصلاة لا تسقط بسبب المرض
الصلاة من أعظم العبادات في الإسلام، وقد أوجبها الله تعالى على المسلمين في جميع الأحوال، مع مراعاة قدرة...
المزيد »
«الكاش باك» في ميزان الفقه الإسلامي..
برامج الاسترداد النقدي أو ما يُعرف بـ«الكاش باك» من الأساليب الحديثة التي انتشرت في المعاملات التجارية...
المزيد »
«الحقيقة تُترك بدلالة العادة»..
قاعدة "الحقيقة تُترك بدلالة العادة" من القواعد الفقهية التي تُبرز أثر العرف والعادة في فهم الألفاظ وتفسير...
المزيد »
ابنة الجون..
تُعد قصة أميمة بنت النعمان بن شراحيل، المعروفة بـ"ابنة الجون"، من المواقف التي أظهرت جانبا عظيما من أخلاق...
المزيد »
قراءة البسملة في الصلاة
البسملة من المسائل التي تناولها الفقهاء بالبحث والدراسة، لما لها من ارتباط بقراءة القرآن الكريم في الصلاة،...
المزيد »
مواضع العفو عن النجاسة المغلظة..
الطهارة من أهم أبواب الفقه الإسلامي، إذ ترتبط بصحة العبادات، ولا سيما الصلاة التي لا تصح مع وجود النجاسة...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك