المكي والمدني

مدخل العلماء لتفسير كتاب الله

محاولة فهم مراد الله تعالى وتفسير آياته من أجل وأشرف العلوم التي يحرص العلماء على مر العصور على تعلمها، وتحصيلها والتزود بها، فلم يتركوا سبيلا لذلك إلا سلكوه....

المكي والمدني

مدخل العلماء لتفسير كتاب الله

محاولة فهم مراد الله تعالى وتفسير آياته من أجل وأشرف العلوم التي يحرص العلماء على مر العصور على تعلمها، وتحصيلها والتزود بها، فلم يتركوا سبيلا لذلك إلا سلكوه،

وقد اتفق العلماء على أن معرفة المكي والمدني من أهم المداخل التي تساعدهم على ذلك، نظرا لأن معرفة المكي والمدني من القرآن الكريم ينطوي على العديد من الفوائد، مثل:

– تمييز الناسخ من المنسوخ، لنأخذ بالحكم الناسخ ونترك الحكم المنسوخ، وهو من أهم مباحث الدراسات القرآنية، فإذا وردت آيات من القرآن في موضوع واحد، وكان الحكم في إحدى هذه الآيات مخالفا للحكم في غيرها، ثم عرفنا أن بعضها مكّي وبعضها مدني، فإننا نحكم بأن المدني ناسخ للمكّي نظرا لتأخّر القرآن المدني عن المكّي، لذلك فإن مِن أشرف علوم القرآن علمَ نزوله وجهاته، وترتيب ما نزَل بمكة ابتداءً ووسطًا وانتهاء، وترتيب ما نزل بالمدينة كذلك، ثم ما نزل بمكة وحُكمُه مدني، وما نزل بالمدينة وحكمه مكِّي، وما نزل بمكة في أهل المدينة، وما نزل بالمدينة في أهل مكة، ثم ما يُشبِه نزول المكيِّ في المدني، وما يشبه نزول المدني في المكي، ثم ما نزل بالجُحْفة، وما نزل ببيت المقدس، وما نزل بالطائف، وما نزل بالحديبية، ثم ما نزل ليلاً، وما نزل نهارًا، وما نزل مشيَّعًا، وما نزل مُفرَدًا، ثم الآيات المدنيات في السور المكية، والآيات المكية في السور المدنية، ثم ما حُمل مِن مكة إلى المدينة، وما حُمل من المدينة إلى مكة، وما حمل من المدينة إلى أرض الحبشة، ثم ما نزل مجمَلاً، وما نزل مفسَّرًا، وما نزل مَرموزًا، ثم ما اختلفوا فيه.

وبالتالي فإن الأمر يتعدى إلى مقاصد تشريعية وفقهية ما كان للعلماء أن يقفوا عليها إلا من خلال معرفة المكي والمدني

– معرفة تاريخ التشريع الإسلامي، وتدرّج المشرع الحكيم في نقل الناس إلى المنهج الإسلامي المتكامل، حيث وقع التدرج في جملة من أحكام الإسلام ونظامه التشريعي، فنزل القرآن منجماً، وفي ذلك حكم ذكرها أهل العلم، منها التدرج في الأحكام ومسايرة الحوادث وأسباب النزول، والتدرج في تربية الأمة وإعدادها لتكون خير أمة أخرجت للناس، والتدرج في أساليب الخطاب، وتذكير المخاطبين، فكان الخطاب”يا أيها الناس” في بداية الدعوة، ثم خوطب المؤمنون “يا أيها الذين آمنوا” لما زادوا وكثروا وصار لهم كيان، وخوطب أهل الكتاب “يا أهل الكتاب” بعدما ساكنهم المسلمون في المدينة.

وكذلك دعوة الإسلام تدرجت في مراحلها من فردية إلى أسرية، ثم العشيرة الأقربين، ثم مكة أم القرى ومن حولها، ثم انتقلت دعوته لقبائل العرب ولأهل جزيرتها، ثم للبشرية جمعاء. وكذلك وقع التدرج في أساليب الدعوة، من سرية إلى جهرية محدودة، ثم إلى الصدع الكامل بما يؤمر به، ثم تحمل الأذى بشتى أنواعه، ثم الهجرة إلى الحبشة ثم إلى المدينة، ثم بناء الدولة والمجتمع، ثم الإذن بالجهاد والقتال في سبيل الدفاع عن الإسلام وخدمة الدعوة ونشر الرسالة،

ومن أشكال التدرج في التشريع الإسلامي إقرار بعض الأحكام على خلاف ما جاءت به الشريعة فيما بعد وإقرار ما يترتب عليها من آثار، يقول في ذلك العز بن عبد السلام: (وَلِمِثْلِ هَذَا أقَرَّ الشَّرْعُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ عَلَى الْأَنْكِحَةِ الْمَعْقُودَةِ عَلَى خِلَافِ شَرَائِطِ الْإِسْلَامِ… وَكَذَلِكَ بُنِيَ عَلَى الْإِسْلَامِ غُفْرَانُ جَمِيعِ الذُّنُوبِ لِأَنَّ عهْدَهَا لَوْ بَقِيَتْ بَعْدَ الْإِسْلَامِ لَنَفَرُوا، وَكَذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةٌ قَدْ زَنَوْا فَأَكْثَرُوا مِنْ الزِّنَا وَمِنْ غَيْرِهِ مِنْ الْكَبَائِرِ لِرَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. إنَّ مَا تَقُولُ وَتَدْعُو إلَيْهِ لَحَسَنٌ لَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةً؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: “قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تقنطوا من رحمة الله” وَقَالَ فِي غَيْرِهِمْ “قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ”، وَإِنَّمَا أَمَرَهُمْ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ بِإِفْشَاءِ السَّلَامِ، وَإِطْعَامِ الطَّعَامِ، وَصِلَةِ الْأَرْحَامِ، وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ، لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مُلَائِمًا لِطِبَاعِهِمْ حَاثًّا عَلَى الدُّخُولِ فِي الإسلام).

وكذلك الأمر في التشريع الجنائي (نظام العقوبات) إذ استقرت ملامحه في السنة الثامنة للهجرة، ولا تخفى الحكمة من تأخر تشريعه. والمحظورات المألوفة تدرج تنزيل الأحكام فيها، فالخمر استقر حكمها النهائي في السنة الثامنة للهجرة، وتحريم الربا في التاسعة.

وقد وقع التدرج في الأمر كما في الجهاد، وفي النهي كما في تحريم الخمر، وفي التشريعات العامة كما في مسألة تحويل القبلة.

– الثقة بهذا القرآن وبوصوله إلينا سالما من أي تغيير أو تحريف، ويدلّ على ذلك اهتمام المسلمين بالقرآن وتاريخ نزوله، وتسجيل دقائق نزوله الزمانية والمكانية، ونقلها بكل أمانة وضبط.

– ومن فوائده أنه يبصّر المؤمن والمفسّر بمعنى الآية، ومثال ذلك: أن من يقرأ سورة: (قل يا أيها الكافرون) ويعلم أنها مكية، ونزلت عند ما قال بعض زعماء المشركين للنبي صلّى الله عليه وسلّم: نعبد إلهك سنة وتعبد آلهتنا سنة أخرى، فإن هذا العلم بمكان النزول وزمانه وسببه يحجز عن الخطأ في تفسيرها وفهمها.

الاصطلاحات الواردة في المكي والمدني

الأول: أن المكيَّ ما نزَل قبل الهجرة، والمدني ما نزل بعدها، سواءٌ نزل بمكَّة أم بالمدينة، عام الفتح أو عام حجة الوداع، أم بسفَرٍ من الأسفار، قال يحيى بن سلام: ما نزل بمكَّة وما نزل في طريق المدينة قبل أن يَبلُغ النبيُّ صلى الله عليه وسلم المدينةَ فهو من المكي، وما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم في أسفاره بعدَما قَدِم المدينة فهو من المدني.

وهذا يُؤخَذ منه أن ما نزل في سفر الهجرة مكِّي اصطلاحًا.

الثاني: أن المكيَّ ما نزَل بمكةَ ولو بعد الهجرة، والمدني ما نزل بالمدينة، وعلى هذا فما نزَل بالأسفار لا يُطلق عليه مكِّي ولا مدني.

ويدخل في مكة ضواحيها؛ كالمنزل بمنًى، وعرفات، والحديبية، وفي المدينة ضواحيها؛ كالمنزل ببدر، وأحُد، وسَلْع.

الثالث: أن المكي ما وقع خطابًا لأهل مكة، والمدني ما وقع خطابًا لأهل المدينة، وحُمل على هذا قولُ ابن مسعود: وإنما يُرجَع في معرفة المكي والمدني إلى حِفظ الصحابة والتابعين، ولم يَرِد عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في ذلك قولٌ؛ لأنه لم يؤمَر به، ولم يَجعل الله علمَ ذلك من فرائض الأمة، وإن وجَب في بعضه على أهل العلم معرفةُ تاريخ الناسخ والمنسوخ؛ فقد يُعرف ذلك بغير نصِّ الرسول.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
ذات صلة
أحكام الحمل والولادة.. عبادة في ظلال الأمومة
لم تعرف الشرائع قبل الإسلام ولا الأعراف الإنسانية القديمة ما عرفه الفقه الإسلامي من عناية رفيعة بحال...
المزيد »
عبد الله بن المبارك..
عبد الله بن المبارك من أعظم علماء المسلمين في عصر تابعي التابعين، وقد جمع بين العلم والعبادة والجهاد...
المزيد »
المقاصد الخمس الكبرى..
حين رسم علماء المقاصد خارطتهم الجامعة للشريعة، جاءت متمحورة حول خمس كليات كبرى هي بمثابة أعمدة الفلك...
المزيد »
دعاء الاستفتاح.. همسةٌ ضاعت في مطلع الصلاة
دعاء الاستفتاح هو ما يُقال بعد تكبيرة الإحرام وقبل البسملة والفاتحة، وهو سنة مؤكدة ثبتت بأحاديث صحيحة...
المزيد »
أورنك زيب..
كان محيي الدين محمد أورنك زيب مزيج نادر يجمع بين ثقل الملك وخشوع المصلي وصرامة الفقيه وصبر المحارب، وُلد...
المزيد »
التواضع.. خلق عظيم يرفع مكانة المسلم بين الناس
التواضع من أعظم الصفات التي دعا إليها الإسلام، وهو خلق نبيل يعكس نقاء القلب وصفاء النفس، ويجعل الإنسان...
المزيد »
الاجتهاد أساس استنباط الأحكام ومواكبة قضايا الحياة المعاصرة
الاجتهاد من أهم الخصائص التي تميزت بها الشريعة الإسلامية، فهو الوسيلة التي يتمكن بها العلماء من استنباط...
المزيد »
ضرار بن الأزور.. الفارس الذي كان يقتحم الموت ضاحكًا
كان ضرار بن الأزور واحدًا من الأسماء التي صنعت من البطولة سيرةً تتجاوز حدود التاريخ، كما كان من أولئك...
المزيد »
توجيه الخطاب الديني لقضايا الأسرة
الأسرة هي اللبنة الأساسية في بناء المجتمع، فإذا صلحت الأسرة صلح المجتمع كله، وإذا تفككت ضعفت الروابط...
المزيد »
ذكاء الداعية وفطنته أساس نجاحه في تبليغ رسالته 
الدعوة إلى الله من أعظم المهام التي يقوم بها الإنسان، فهي رسالة الأنبياء والمرسلين، ووسيلة هداية الناس...
المزيد »
حقيقة انتشار الإسلام بالحكمة والعدل
شبهة انتشار الإسلام بالسيف من أكثر الشبهات التي يرددها بعض المشككين في الدين الإسلامي، وقد ظهرت هذه الفكرة...
المزيد »
الوجودية عند جان بول سارتر وأثرها في الفكر الإنساني المعاصر
كان سارتر يرى أن الإنسان يولد بلا غاية محددة أو طبيعة ثابتة، ثم يقوم بنفسه بصنع شخصيته وتحديد أهدافه...
المزيد »
الصدقُ العاطفي في الخطبة..
في كل جمعة، يصعد الخطيب المنبر وأمامه حشدٌ من الوجوه المتباينة في أحوالها وأعمارها وما تحمله من هموم...
المزيد »
العِلمُ شرطُ الشهادة..
ثمة آيةٌ في كتاب الله تعالى تقف أمامها متأملاً فتُدهشك في كل مرة بعمقها وسموّ دلالتها، وهي قوله جل وعلا...
المزيد »
آراء العلماء المعاصرين
يرى جمهور كبير من العلماء المعاصرين جواز إخراج الزكاة وتحويلها عبر المنصات الإلكترونية والتطبيقات البنكية،...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك