الفضيل بن عياض.. من قاطع طريق إلى أحد كبار الصالحين

في زمن مضى، كان يُضرب به المثل في البطش والترويع، وكانت القوافل ترتعد من ذكر اسمه.. إنه الفضيل بن عياض، أحد كبار الصالحين....
الفضيل بن عياض ومال اليتيم.. الرزق الحلال قد يتأخر لكنه لا يعدم

الفضيل بن عياض.. من قاطع طريق إلى أحد كبار الصالحين

في زمن مضى، كان يُضرب به المثل في البطش والترويع، وكانت القوافل ترتعد من ذكر اسمه.. إنه الفضيل بن عياض، أحد كبار الصالحين، لكن بداياته لم تكن تُبشّر بخير، فقد كان قاطع طريق يُهاجم المسافرين في الليل، مسلحًا بفأس وسكين، حتى أن الأمهات كنّ يُسكتن أطفالهن بقولهن: “اسكت وإلا أتيتك بالفضيل!”.

الآية التي قلبت الموازين

وذات ليلة، تسلل الفضيل بن عياض إلى أحد البيوت لسرقته، لكنه لم يكن يعلم أن الله أعد له تلك الليلة لتكون نقطة تحوّل في حياته. فحين تسلّق جدار البيت، رأى شيخًا عجوزًا يقرأ القرآن ويبكي، وكانت ابنته تُعدّ له العشاء.
ظل الفضيل يترقب من الأعلى، ساكنًا لا يتحرك، حتى مرّ الشيخ بآية عظيمة من سورة الحديد:”ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق…”
فاهتز قلب الفضيل، ونظر إلى السماء وقال: “بلى يا رب، قد آن”.
ونزل الفضيل من على السطح، واغتسل وتوجه إلى المسجد باكيًا، وظل يذكر الله حتى الصباح. ومنذ تلك الليلة، بدأ رحلة توبته الخالدة، حتى أصبح أحد أعلام العبادة والزهد، بل وأحد أئمة الحرمين الشريفين في مكة والمدينة. ويقول فيه عبد الله بن المبارك في قصيدته المشهورة:
“يا عابد الحرمين لو أبصرتنا
لعلمت أنك بالعبادة تلعب
من كان يخضب خده بدموعه
فنحورنا بدمائنا تتخضب
وقصة الفضيل بن عياض ليست مجرد حكاية عابرة، بل هي دليل حيّ على قدرة الله في تبديل الأحوال، وهداية القلوب، مهما بلغت قسوتها. فقد قال رسول الله في الحديث المتفق عليه:”إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة”.
فقصة الفضيل تُحذّرنا من التسرّع في الحكم على الناس، فكم من عاصٍ ختم الله له بالخاتمة الحسنة، وكم من صالح ظاهريًا ختم له بما لا يُرضي الله. لذا كان من دعاء النبي ﷺ:”يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك”.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
دور الأدب في نشر القيم الدينية وبناء الوعي المجتمعي
الأدب من أبرز وسائل التعبير الإنساني، فهو لا يقتصر على كونه فنا يهدف إلى الإمتاع وإثارة المشاعر، بل يؤدي...
المزيد »
«إن الذي يمد رجله لا يمد يده»..
في القرن التاسع عشر، قاد إبراهيم باشا، نجل والي مصر محمد علي باشا، حملة عسكرية على بلاد الشام، وتمكن...
المزيد »
الرحمة والتسامح
تُعد الرحمة والتسامح من أسمى القيم الإنسانية التي قامت عليها الحضارات، وارتقت بها الأمم، واستقامت بها...
المزيد »
الانقياد..
كلمة لا إله إلا الله عقد متكامل الأركان، شرطه الأول النطق والعلم واليقين، وشرطه الأعمق والأصعب ذلك الانقياد...
المزيد »
الملائكة في بدر..
تتردد بين الحين والآخر شبهات حول ما ورد من مشاركة الملائكة في غزوة بدر في أروقة الجدل الفكري والديني،...
المزيد »
السنة النبوية..
السنة النبوية المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم، وهي البيان العملي والتطبيقي لما جاء في...
المزيد »
الحكمة والموعظة الحسنة
تقوم الدعوة الإسلامية على أسس راسخة تجمع بين سلامة المنهج، وحسن الأسلوب، ووضوح المقصد، وقد جعل الإسلام...
المزيد »
الخطاب الديني المتوازن
الخطاب الديني من أكثر وسائل التأثير حضورا في حياة المجتمعات، لما يستند إليه من مرجعية شرعية وثقة جماهيرية،...
المزيد »
الوجودية.. محاولة الإجابة عن أسئلة الحرية والغاية والمسؤولية
الوجودية من أبرز التيارات الفكرية والفلسفية التي ظهرت في العصر الحديث، وقد ركزت على الإنسان بوصفه محورا...
المزيد »
ابن حنبل: الصلاة لا تسقط بسبب المرض
الصلاة من أعظم العبادات في الإسلام، وقد أوجبها الله تعالى على المسلمين في جميع الأحوال، مع مراعاة قدرة...
المزيد »
«الكاش باك» في ميزان الفقه الإسلامي..
برامج الاسترداد النقدي أو ما يُعرف بـ«الكاش باك» من الأساليب الحديثة التي انتشرت في المعاملات التجارية...
المزيد »
«الحقيقة تُترك بدلالة العادة»..
قاعدة "الحقيقة تُترك بدلالة العادة" من القواعد الفقهية التي تُبرز أثر العرف والعادة في فهم الألفاظ وتفسير...
المزيد »
ابنة الجون..
تُعد قصة أميمة بنت النعمان بن شراحيل، المعروفة بـ"ابنة الجون"، من المواقف التي أظهرت جانبا عظيما من أخلاق...
المزيد »
قراءة البسملة في الصلاة
البسملة من المسائل التي تناولها الفقهاء بالبحث والدراسة، لما لها من ارتباط بقراءة القرآن الكريم في الصلاة،...
المزيد »
مواضع العفو عن النجاسة المغلظة..
الطهارة من أهم أبواب الفقه الإسلامي، إذ ترتبط بصحة العبادات، ولا سيما الصلاة التي لا تصح مع وجود النجاسة...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك