![]()
ندوة الأمة تبحث دور الوحي في استعادة الريادة الحضارية للمسلمين
نظمت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية القطرية الندوة الرابعة ضمن مشروعها الثقافي والفكري “ندوة الأمة”، الذي يقام هذا العام تحت شعار “معرفة الوحي”، حيث خُصصت الندوة لمناقشة موضوع “معرفة الوحي.. سبيل الوراثة الحضارية”، بمشاركة نخبة من العلماء والأكاديميين والباحثين والمتخصصين.
وأقيمت الندوة في جامع الإمام محمد بن عبدالوهاب، بحضور السيد غانم بن شاهين بن غانم الغانم وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، إلى جانب عدد من المفكرين والمهتمين بالشأنين الديني والثقافي، وذلك بهدف استكشاف دور الوحي في بناء الحضارة الإسلامية واستعادة فاعلية الأمة في مسيرة التنمية والإعمار.
ثلاثة محاور لاستشراف النهضة الحضارية
تناولت الندوة ثلاثة محاور رئيسة، ركزت على العلاقة بين الوحي والوراثة الحضارية، والشروط اللازمة لاستحقاق هذه الوراثة، إضافة إلى سبل إعادة بناء صلة المسلم بالوحي باعتبارها المدخل الحقيقي لتحقيق النهضة الحضارية.
وشهدت الجلسات حوارًا علميًا تناول الأبعاد الفكرية والمعرفية للموضوع، مع طرح رؤى تسعى إلى ربط الهداية القرآنية بمتطلبات الواقع المعاصر واستشراف المستقبل.
“ندوة الأمة” منصة للحوار الفكري
وفي كلمته الافتتاحية، أكد الشيخ الدكتور أحمد بن محمد آل ثاني، مدير إدارة البحوث والدراسات الإسلامية بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، أن “ندوة الأمة” تمثل إحدى المبادرات العلمية والثقافية التي أطلقتها الوزارة لترسيخ المعرفة المتصلة بالوحي، وتعزيز الحوار حول القضايا الفكرية والثقافية التي تمس واقع الفرد والمجتمع.
وأوضح أن الندوة تُعقد بصورة دورية كل ثلاثة أشهر، بمشاركة نخبة من العلماء والمفكرين، بهدف مناقشة أبرز الإشكالات الفكرية والثقافية المعاصرة، والبحث عن معالجات شرعية ومعرفية تسهم في تعزيز الوعي المجتمعي، وترسيخ قيم الوسطية والاعتدال.
وأضاف أن اختيار موضوع الندوة جاء انطلاقًا من الإيمان بأن نهضة الأمة واستعادة دورها الحضاري ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالفهم الصحيح للوحي، واستلهام هداياته في بناء الإنسان وصياغة المشاريع الحضارية القادرة على مواكبة تحديات العصر.
الوراثة الحضارية تتجاوز المنجزات المادية
وفي المحور الأول، قدم الباحث القطري حسن عبد الرزاق السيد، الباحث بمرحلة الدكتوراه، ورقة علمية بعنوان “الوراثة الحضارية في ضوء معرفة الوحي”، أوضح فيها أن مفهوم الوراثة الحضارية لا يقتصر على انتقال المنجزات العمرانية أو المادية بين الأجيال، بل يشمل انتقال منظومة القيم والأخلاق والمعارف والرؤية الكونية التي تحفظ هوية الأمة وتضمن استمرار رسالتها.
وأشار إلى أن الوحي يمثل المرجعية الأساسية في بناء هذه الرؤية، بينما يسهم العقل والحس في فهم الواقع واكتشاف سننه، مؤكدًا أن التكامل بين هذه المصادر هو الذي يصنع الحضارات القادرة على الاستمرار والتجدد.
كما استعرض نماذج من حضارات اعتمدت على القوة المادية أو العقل المجرد دون مرجعية قيمية، مبينًا أن نجاحها ظل محدودًا بسبب غياب الأساس الأخلاقي الذي يضمن استدامة البناء الحضاري.
استحقاق الحضارة يرتبط بالعمل والإصلاح
أما المحور الثاني، فتناول فيه الدكتور حميد قوفي، الأستاذ بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر، موضوع “الوراثة الحضارية: متطلبات وشروط”، مؤكدًا أن الريادة الحضارية ليست امتيازًا موروثًا، وإنما ثمرة لسنن إلهية تقوم على الصلاح والعمل والإصلاح.
وأوضح أن مفهوم الصلاح الوارد في القرآن الكريم يشمل الجوانب العقدية والأخلاقية والعلمية والعمرانية، بما يجعل الإنسان عنصرًا فاعلًا في نهضة مجتمعه وإعماره.
وأشار إلى أن من أبرز مقومات استحقاق الوراثة الحضارية امتلاك الإرادة الحضارية، وإحياء الوعي بالتاريخ، وربط الأجيال بتراثها، والتمكن من أدوات المعرفة الحديثة مع المحافظة على المرجعية الشرعية.
كما حذر من عدد من المعوقات التي تعيق مسيرة النهضة، وفي مقدمتها الجمود الفكري، والاتكال على أمجاد الماضي دون عمل، وضعف روح المبادرة والإنتاج.
وأكد أن المنهج الإسلامي يدعو إلى التفاعل الواعي مع منجزات الحضارات الأخرى، والاستفادة من خبراتها النافعة بما يحافظ على الهوية الإسلامية ويحقق التوازن بين الأصالة والانفتاح.
تجديد العلاقة بالوحي طريق إلى النهضة
وفي المحور الثالث، ناقش الدكتور علاء الدين إسماعيل، الأستاذ بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر، موضوع “إعادة بناء علاقة الفرد المسلم بالوحي في سبيل النهوض الحضاري”، مبينًا أن رسالة الوحي لا تقتصر على إصلاح الجانب التعبدي، وإنما تهدف إلى إعداد الإنسان القادر على تحمل مسؤولية الاستخلاف وعمارة الأرض.
وأوضح أن النهضة الإسلامية الأولى قامت على علاقة عملية وحية بالوحي، تجاوزت حدود المعرفة النظرية إلى صناعة الإنسان الذي أسهم في تغيير الواقع وبناء الحضارة.
وأشار إلى أن التحدي المعاصر لا يكمن في غياب النصوص الشرعية، بل في ضعف انعكاسها على السلوك والعمل والإنتاج، داعيًا إلى ترسيخ ثقافة التدبر، وتحويل قيم الإيمان إلى دافع للإبداع والإتقان وتحمل المسؤولية، بما يسهم في إعداد الإنسان القادر على الإسهام في نهضة مجتمعه.
جهود متواصلة لتعزيز الوعي الحضاري
عكست الندوة جانبا من جهود وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ممثلة في إدارة البحوث والدراسات الإسلامية، لتعزيز الثقافة الشرعية والفكرية، وربط المعرفة الدينية بقضايا الإنسان والمجتمع، من خلال مبادرات علمية تسعى إلى بناء الوعي، وترسيخ قيم الحوار، واستلهام هدايات الوحي في معالجة التحديات المعاصرة وصناعة مستقبل حضاري أكثر رسوخًا وتوازنًا.



