![]()
شريح القاضي وزينب..
قصة امرأة علّمت زوجها معنى الحياة السعيدة
- الأسرة المسلمة
- جنة الدنيا
زياد الشرشابي
شريح القاضي وزينب..
قصة امرأة علّمت زوجها معنى الحياة السعيدة
في حياة قاضٍ كرّس عمره للفصل بين الخصوم وإنصاف المظلومين، تنبثق قصة زواج هي في حد ذاتها درسٌ بليغ في فن العشرة وحسن البناء الزوجي. يرويها شريح بن الحارث الكندي، قاضي الكوفة الشهير، الذي تولى القضاء في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه واستمر فيه نحو ستة عقود، حتى عُدَّ من أعلم الناس بالقضاء وأحكمهم حكماً وأعدلهم ميزاناً. وقد حفظت لنا كتب التراث هذه القصة بتفاصيلها الإنسانية الدقيقة، ولعل أوثق رواياتها ما أورده وكيع الضبي في “أخبار القضاة” وأبو الفرج الأصفهاني في “الأغاني”.
بيوت تبني في لحظة واحدة
كانت الشمس في كبد السماء وقد انصرف شريح من تشييع جنازة، فآذاه الحر وأضناه التعب، فمال نحو سقيفة رأى فيها ظلاً وراحة. وإذا بعجوز جالسة تجاهها جارية ناضرة الشباب، قد ألقت ذؤابتها على ظهرها ووراءها وسادتها في أناقة بسيطة لا تتكلف. استسقى شريح فلم تسأله العجوز ما يسأله كثيرون حين يطرق الغريب بابهم، بل بادرته بكرم مضيافٍ حقيقي وقالت له: أيُّ الشراب أعجب إليك، النبيذ أم اللبن أم الماء؟ فقال: أيُّ ذلك تيسّر عليكم. فأمرت الجارية أن تسقيه لبناً لأنها رأت فيه أمارات الغريب الذي يُرهقه السفر.
في تلك اللحظات القصيرة لاحظ شريح كل شيء، وأعجبته الجارية فسأل: من هذه؟ فقالت العجوز: ابنتي. قال: وما اسمها؟ قالت: زينب بنت حدير من نساء بني تميم ثم من بني حنظلة. فسأل مباشرةً في حسم رجل يعرف ما يريد: أفارغة أم مشغولة؟ قالت: بل فارغة. فقال: أتزوجينها؟ فأجابته العجوز بحكمة امرأة تعرف كيف تُصان كرامة بناتها: نعم إن كنتَ كفؤاً، ولها عمٌّ فاقصده. وانطلق شريح وفي نفسه ما فيها.
من الندم إلى الإقدام.. قصة رجل صارع نفسه قبل أن يتزوج
ولعل أطرف ما في هذه القصة أن شريحاً لم يكن مستيقناً بعد أن حصل على الموافقة. يقول ساخراً من نفسه لصديقه الشعبي: والله ذهبتُ لأقيل في منزلي فامتنعت مني القيلولة من شدة ما انشغل به تفكيري. فلما جاء وقت العصر أخذ بأيدي إخوانه من الأشراف وتوجه نحو عم زينب فخطبها منه، فقال له العم كلمة يقولها كرامُ الرجال: ما بها عنك رغبة وما بك عنها من نقص. فتمّ الزواج في عصر ذلك اليوم.
غير أن شريحاً أمضى ليلته قلقاً مضطرباً. فلما صارت زينب في عقده ندم وقال في نفسه: أيُّ شيء صنعتَ؟ بنات بني تميم وغلظة قلوبهن! وراح يتردد بين الطلاق قبل الدخول وبين أن يصبر حتى يرى بنفسه. وكانت هذه اللحظة من أعمق لحظات الصدق مع النفس في قصته كلها. فغلبت شجاعة المجاوهة على وسواس التردد، وقرر: لا، بل أدخل بها، فإن رأيتُ ما أحب وإلا فبعد ذلك يكون ما يكون.
ليلة العرس.. حين يبدأ الزواج الحقيقي بكلمة حكيمة
أُدخلت زينب عليه في ليلة العرس وسط نساء يهدينها ويحيطن بها، فتذكّر شريح السنة في مثل هذا الموقف، فقام وتوضأ وصلى ركعتين يسأل الله من خيرها ويتعوذ من شرها. وإذا بزينب تتوضأ بوضوئه وتصلي بصلاته، فكانت هذه الوحدة في العبادة أول ما فتح قلبه نحوها. فلما انتهت الصلاة ألبسه الجواري ملحفة مصبوغة بالزعفران، وخلا البيت، فأقبل نحوها ومدّ يده إلى ناصيتها فأمسكت يده بهدوء وقالت له: على رسلك يا أبا أمية.
ثم ابتدأت خطاباً لم يسمع شريح بمثله في تلك الليلة ولا في غيرها. قالت وهي تحمد الله وتصلي على النبي: أما بعد، فإني امرأة غريبة لا علم لي بأخلاقك، فبيِّن لي ما تحب فآتيه، وما تكره فأجتنبه. وأعطيكَ عهداً: لن أُحدِّث بحديثك أحداً من أهلك، ولن أخرج من بيتك بغير إذنك، ولن تأتيني في ليلة وقد شئتَ شيئاً إلا وجدتني لك.
فبات شريح تلك الليلة بأنعم ليلة مرّت عليه، ومكث معها حولاً كاملاً لا يرى منها إلا ما يحب، كما يقول بنفسه في مجلس الشعبي.
عشرون عاماً من السعادة.. وقصيدة كتبها القاضي بدمه
لم تكن تلك الليلة المباركة وحدها حديثه عن زوجته، بل يمتد الحديث ليشمل عشرين عاماً متكاملة. فعلى رأس الحول الأول دخلت عليه في الدار عجوز تأمر وتنهى، فسأل: من هذه؟ فقيل له: أم زوجتك. فرحّب بها وأكرمها، فسألته: كيف رأيتَ زوجتك؟ فقال: خير زوجة وأوفق قرينة، لقد أدَّبتِ فأحسنتِ الأدب، وريَّضتِ فأحسنتِ الرياضة. ثم وصّته أمها بوصية أخرى فيها صرامة وواقعية في آنٍ معاً. ثم عادت في رأس كل عام تكرر تلك الوصية.
يقول شريح: مكثتُ مع زينب عشرين سنة لم أعب عليها شيئاً، إلا يوماً واحداً كنتُ فيه أنا الظالم لا هي. وهذا الاعتراف بالذات من قاضٍ اشتُهر بالعدل وصرامة الحكم هو في حد ذاته شهادة نادرة الصدق. وكان لشريح جار من كندة اسمه ميسرة بن عدي يضرب امرأته ويفزعها، فلم يستطع شريح أن يصمت، فنظم أبياتاً معبّرة تكشف عن معدنه الإنساني الرفيع يقول فيها:
رأيتُ رجالاً يضربون نساءهم فشلّت يميني يوم تُضرب زينب أأضربها من غير ذنب أتت به فما العدل مني ضربُ من ليس يذنب
وفي هذين البيتين يتكثّف معنى الحياة الزوجية السعيدة كلها في صورة قاضٍ عرف العدل في مجلس القضاء فطبّقه في بيته، وعرف الإنصاف بين المتخاصمين فلم يبخل به على شريكة حياته. وما أحوجنا اليوم إلى من يقرأ هذه القصة فلا يراها مجرد أثر من آثار السلف، بل يتأمل فيها نموذجاً حياً للزواج الذي تبنيه الحكمة ويصونه الوفاء.
- كلمات مفتاحية | أبو الفرج الأصفهاني, الكوفة, زينب بنت حدير, شريح بن الحارث الكندي, وكيع الضبي



