بين عتبة العبور ومعنى الاكتمال

Picture of محمد الشرشابي

محمد الشرشابي

رجاء إعداد سيرة مهنية مختصرة لوضعها مع مقالات الكاتب
رأيت في المنام أنني أحاول مع أبنائي العبور إلى بيت جديد، وكأننا نقف على عتبة انتقال مصيري في حياتنا. رأيت ابني الأصغر — وهو في الواقع في السابعة عشرة — يظهر في الحلم كطفل...
بين عتبة العبور ومعنى الاكتمال

بين عتبة العبور ومعنى الاكتمال

س
رأيت في المنام أنني أحاول مع أبنائي العبور إلى بيت جديد، وكأننا نقف على عتبة انتقال مصيري في حياتنا. رأيت ابني الأصغر — وهو في الواقع في السابعة عشرة — يظهر في الحلم كطفل صغير، فألقيتُ به ليعبر إلى هذا البيت، لكنه وقع في موضع ضيق لا منفذ له إلى الداخل، وكان يقف في مكان مرتفع أخشى أن يسقط منه، فغلبني الخوف عليه ورفعت يدي أدعو الله، فإذا بالموضع يدور به حتى أدخلته إلى داخل البيت، وبقيت فتحة صغيرة لم تكفِ لدخولي. ثم دعوت الله مرة أخرى فاتسعت لي الفتحة فدخلت. وحين دخلت وجدت البيت ما زال قيد البناء لم يكتمل بعد، فأخذت أتجول فيه، حتى وصلت إلى موضع يشبه المسجد، مفروش بسجاد فخم يذكّر بسجاد المساجد، فوجدت ابني الأكبر — وهو في الثانية والعشرين — ومعه آخرون يؤدون الصلاة. فما دلالة هذا الحلم؟ وهل يشير إلى مستقبل الأبناء، أو إلى هموم المسؤولية، أو إلى تحولات قادمة في الدين أو الدنيا؟ وما الرسائل النفسية والإيمانية التي تحملها هذه الرؤيا لكل أب أو أم يرى نفسه في موضع العبور والخوف والدعاء؟
جــــ

هذه الرؤيا — في مجملها — من الرؤى الغنية بالمعاني، تتشابك فيها الرموز التربوية والدلالات الإيمانية مع الإشارات النفسية الدقيقة، حتى تبدو كأنها خطاب موجّه إلى القلب والعقل معًا.

أما البيت الجديد في الرؤى، فغالبًا ما يرمز إلى مرحلة جديدة من الحياة: انتقال في المسؤوليات، أو تحوّل في الحال، أو أفق مختلف يتشكل للأسرة أو للذات. وكون هذا البيت غير مكتمل البناء يدل على أن هذه المرحلة لم تنضج بعد، وأنها ما تزال في طور التشكّل، تحتاج إلى صبر وتدرّج وحسن تدبير، لا إلى استعجال ولا إلى قلق مفرط.

وأما محاولة العبور مع الأبناء، فهي صورة صادقة لما يعيشه الآباء في يقظتهم: هاجس العبور بالأبناء من الطفولة إلى الرشد، ومن الهشاشة إلى الاستقلال، ومن الاعتماد إلى القدرة. إلقاؤك بابنك الأصغر ليعبر أولًا — مع ظهوره في الحلم طفلًا — يعبّر عن إدراك داخلي بأن هذا الابن، رغم بلوغه سن الشباب، ما يزال في نظرك محتاجًا إلى رعاية مضاعفة، وأنك تخشى عليه من الانزلاق أو السقوط في مرحلة دقيقة من عمره.

الموضع الضيق المرتفع الذي كاد يقع منه الابن، يرمز إلى ضغوط الواقع وتحديات المرحلة: اختيارات صعبة، مخاطر فكرية أو سلوكية، أو شعور الأب بأن ابنه يقف على حافة تجربة لا تحتمل الخطأ. وهنا يتجلّى أعمق معاني الرؤيا: الدعاء. فالدعاء في المنام ليس مجرد تفصيل، بل هو قلب الرسالة؛ إذ يشير إلى أن الحماية الحقيقية للأبناء لا تكون بالسيطرة ولا بالخوف، بل باللجوء الصادق إلى الله، وتسليم الأمر له مع الأخذ بالأسباب.

دوران الموضع حتى إدخال الابن، ثم بقاء فتحة ضيقة لا تكفيك، يعبّر عن حقيقة تربوية مؤلمة أحيانًا: قد يفتح الله للأبناء أبوابًا قبل أن تتضح للآباء، وقد ينجو الابن بدعاء والده، بينما يظل الأب نفسه محتاجًا إلى مزيد من السعة والطمأنينة. واتساع الفتحة لك بعد الدعاء مرة أخرى يرمز إلى أن الطمأنينة تُمنح لمن يُلحّ على الله، وأن الضيق النفسي الذي يصيب الوالدين في مراحل التربية لا يزول إلا بالثقة بالله وحسن الظن بتدبيره.

أما البيت الذي لم يكتمل، فهو انعكاس لحياتك الداخلية: مسؤوليات كثيرة، تصورات لم تكتمل، وأدوار تؤدى مع شعور دائم بأن هناك ما ينبغي إصلاحه أو إتمامه. تجوالك فيه يدل على مراجعة الذات، وإعادة تقييم الدور الأبوي، والسؤال الصامت: هل فعلت ما يجب؟ وهل بقي ما ينبغي عليّ فعله؟

وتبلغ الرؤيا ذروتها عند مشهد الابن الأكبر في موضع يشبه المسجد، يصلي مع جماعة. فهذا رمز مطمئن بامتياز؛ إذ يدل على صلاح المسار، واستقامة الاتجاه، ووجود بذرة إيمان راسخة في هذا الابن، وربما في ذريتك عمومًا. السجاد الفخم هنا لا يدل على ترف، بل على قيمة: قيمة العبادة، وعلو شأنها في ميزان الله، وعلى أن ما يُبنى في القلوب من صلاة وخشوع هو أمتن من كل بناء مادي لم يكتمل بعد.

من الناحية النفسية، تكشف الرؤيا عن أب يحمل همّ أبنائه بصدق، ويخشى عليهم أكثر مما يخشى على نفسه، ويعيش صراعًا داخليًا بين الرغبة في الحماية والخوف من التقصير. وهي دعوة لك — ولكل من يرى رؤيا مشابهة — إلى ألا يتحول الحرص إلى قلق، ولا الخوف إلى عبء، بل إلى ثقة واعية بأن الأبناء أمانة، وأن الهداية بيد الله، وأن أفضل ما يُهدى لهم بعد التربية هو الدعاء الصادق والقدوة الصامتة.

ذات صلة
جسرٌ إلى القادم.. ووردٌ جميلٌ ينتظر ثماره
رؤيتك فيها حركة مستمرة إلى الأمام: سير، ثم عبور، ثم الوصول، ثم ظهور الورد. وكأن الصورة العامة للرؤيا...
المزيد »
انطفأ بصر الطفل ولم تنطفئ أبواب الأمل
فقدان البصر المفاجئ عند طفل في السادسة من عمره حالة تستحق تقييمًا طبيًا عاجلًا ومنظمًا، ولا يصح الاكتفاء...
المزيد »
كيف تواجه الالتهابات الجلدية خلال فصل الصيف بطرق بسيطة وفعالة؟
مع ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف، تزداد فرص ظهور بعض المشكلات الجلدية نتيجة التعرق والرطوبة والتعرض...
المزيد »
ابتكار رقائق ذكية تحدث نقلة في الصناعات الكيميائية
نجح علماء روس من معهد سكولكوفو للعلوم والتكنولوجيا "سكولتيخ" في تطوير رقائق ميكروفلويدية مدعومة بتقنيات...
المزيد »
كيف يتغلب كبار السن على الفراغ بعد سنوات العمل؟
يمثل التقاعد مرحلة جديدة في حياة الإنسان، ينتقل فيها من سنوات طويلة من الالتزام بالعمل والمسؤوليات اليومية...
المزيد »
الأجداد كنز تربوي لا يقدر بثمن..
تقوم الأسرة على ترابط الأجيال وتكامل الأدوار، فلا يقتصر بناؤها على الوالدين والأبناء، بل يمتد ليشمل الأجداد...
المزيد »
مفاتيح السعادة الزوجية
تعد الحياة الزوجية من أعظم النعم التي امتن الله بها على الإنسان، إذ تقوم على السكن والمودة والرحمة، وتشكل...
المزيد »
كيف يتعامل الرجل مع الفتور العاطفي في الحياة الزوجية؟
تمر الحياة الزوجية بمراحل مختلفة، فمن الطبيعي أن تشهد أوقاتا يزداد فيها التقارب والمودة، وأخرى يقل فيها...
المزيد »
دور الزوجة في احتواء الخلافات الأسرية
تعد الأسرة اللبنة الأولى في بناء المجتمع، واستقرارها ينعكس بصورة مباشرة على استقرار المجتمع كله. ومن...
المزيد »
التأثر بالمفاهيم الخاطئة أو المتشددة يهدد الشباب بالانحراف الفكري
يمثل الشباب الركيزة الأساسية في نهضة الأمم، فهم أكثر الفئات قدرة على العطاء والإبداع والتغيير. وإذا كان...
المزيد »
كيف نربي طفلا مسلما متوازنا في عصر التحديات؟
تواجه الأسرة المسلمة اليوم تحديات تربوية غير مسبوقة في ظل الانفتاح الإعلامي والتطور التقني المتسارع،...
المزيد »
إدارة شؤون المنزل وفق مبادئ إسلامية..
يمثل المنزل في الإسلام نواة المجتمع، فإذا صلح استقرت الأسرة، وإذا استقرت الأسرة انعكس ذلك على المجتمع...
المزيد »
أساليب التربية الإسلامية في مواجهة تحديات العصر
تواجه المجتمعات المعاصرة تحديات متسارعة فرضتها الثورة التقنية والانفتاح الثقافي والتحولات الاجتماعية،...
المزيد »
ماء الغُسل الطاهر .. رسائل الرحمة وطمأنينة القلب
هذه الرؤيا فرصة لمراجعة قلبك، فجدد صلتك بالله، وأكثر من الطهارة الظاهرة والباطنة؛ فكما كان الماء في المنام...
المزيد »
 كيف نعلّم أبناءنا الترفع دون أن نطلب منهم ابتلاع الإهانة؟
كيف نحمي أبناءنا من الإهانة دون أن نزرع في قلوبهم الحقد؟ وكيف نعلّمهم صلة الرحم دون أن نطلب منهم أن يعتادوا...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك