![]()
كيف عالج القرآن قضية الانخداع بصوت السلطة؟
يقدّم القرآن الكريم قراءة عميقة للنفس حين تتلبّس بسلطةٍ لا يحدّها ضابط، فيكشف كيف يتحوّل الحكم من أمانة إلى استبداد، ومن قيادة إلى طغيان. فالاستبداد بالرأي ليس مجرد خلل إداري أو سياسي، بل هو انحراف أخلاقي وعقلي يقود إلى إلغاء الآخر، واحتكار الحقيقة، ومصادرة الوعي الجمعي. وفي هذا السياق، يبرز نموذج فرعون بوصفه المثال الأوضح للطاغية الذي جمع بين القهر السياسي والتزييف الفكري، حتى صار صوته مرادفًا للغرور والادعاء.
نص الآية محل التدبر
قال تعالى: “يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا، قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ” (غافر: 29). هذه الآية ترسم مشهدًا خطابيًا بالغ الدلالة، حيث يواجه فرعون احتمال زوال ملكه أو تحدّي سلطانه بدعوة موسى عليه السلام، فيلجأ إلى خطاب شعبوي يربط مصير الناس بمصيره، ويصادر حقهم في التفكير المستقل.
لطائف القرآن في الآية
من أبدع ما تكشفه الآية احتكار فرعون للرؤية في قوله: “ما أريكم إلا ما أرى”، وكأن العقول جميعها ملغاة إلا عقله، وما سواه باطل وضلال. ثم يضيف تزويرًا للهداية في قوله: “وما أهديكم إلا سبيل الرشاد”، وهي مفارقة قرآنية بديعة؛ إذ يدّعي الهداية وهو غارق في الضلال، فيجتمع الكذب مع الغرور في أخطر صوره. أما استعماله لصيغة الجمع في قوله: “من ينصرنا”، فيوحي بأنه يتحدث باسم الأمة، بينما هو في الحقيقة يوظّفها لحماية سلطانه، فيخلق ضميرًا جمعيًا مزيّفًا يخفي وراءه فردية الطغيان.
دلالات الاستبداد بالرأي
تكشف هذه الآية ببلاغة مكثفة أن الاستبداد بالرأي ليس مجرد سلوك سياسي عابر، بل هو مرض حضاري يهدم العقول قبل أن يهدم الأوطان. فالطاغية لا يناقش الحجة بالحجة، بل يختزل الصواب في شخصه، ويحوّل السلطة إلى أداة لتزييف الوعي. ومن هنا تتجلى عظمة القرآن في فضح آليات الطغيان، وتحذير الإنسان من الانخداع بصوت السلطة حين يدّعي الرشاد، ليبقى النص القرآني شاهدًا على أن الحرية الفكرية هي أول ما يستهدفه الاستبداد.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الاستبداد بالرأي, الرشاد المزيّف, السلطة, الطغاة, الطغيان, القرآن الكريم, الوعي الجمعي, غافر, فرعون, موسى



