ما يحرم على المحدث بين قدسية العبادة وضوابط الطهارة

تُعدّ الطهارة في الشريعة الإسلامية بوابة الدخول إلى حضرة العبادات، ومفتاح القرب من الله تعالى، إذ بها تتهيأ الجوارح لاستقبال النفحات الإيمانية، وتصفو النفس لأداء الشعائر في أبهى صورها. وقد رتّب الفقهاء على الحدث أحكامًا...
ما يحرم على المحدث بين قدسية العبادة وضوابط الطهارة

ما يحرم على المحدث بين قدسية العبادة وضوابط الطهارة

تُعدّ الطهارة في الشريعة الإسلامية بوابة الدخول إلى حضرة العبادات، ومفتاح القرب من الله تعالى، إذ بها تتهيأ الجوارح لاستقبال النفحات الإيمانية، وتصفو النفس لأداء الشعائر في أبهى صورها. وقد رتّب الفقهاء على الحدث أحكامًا تمنع المكلّف من بعض العبادات العظيمة حتى يعود إلى حال الطهارة، صيانةً للمقدسات وتعظيمًا لشأن العبادة. ومن أبرز ما يحرم على المحدث: الصلاة، ومسّ المصحف، والطواف بالبيت العتيق.

الصلاة شرطها الطهارة ومدخلها الصفاء

أجمع المسلمون على أن الصلاة لا تصح من المحدث حتى يتطهّر، وجاء النص القرآني صريحًا في ربط القيام إلى الصلاة بالوضوء، إذ قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق}. فالمقصود من هذا الأمر الإلهي هو التهيؤ للصلاة بطهارة تليق بمقام الوقوف بين يدي الله.

وأكدت السنة هذا المعنى تأكيدًا لا يدع مجالًا للشك، ففي الحديث الصحيح: «لا تُقبل صلاة بغير طهور»، وفي رواية أخرى: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ». ومن هنا قرر العلماء أن الطهارة شرط لصحة الصلاة، سواء كانت فريضة أو نافلة، وسواء اشتملت على ركوع وسجود أم كانت كصلاة الجنازة والكسوف. فكل ما سماه الشرع صلاة يدخل في هذا الحكم، وهو القول الذي عليه جماهير أهل العلم، لما فيه من ضبط لمعنى الصلاة كما بيّنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «تحريمها التكبير وتحليلها التسليم».

مسّ المصحف بين هيبة الوحي وشرط الطهارة

المصحف في اصطلاح الفقهاء لا يقتصر على مواضع الحروف القرآنية فحسب، بل يشمل الصفحات التي كُتبت فيها الآيات، وحواشيها، وغلافها المتصل بها، إذ التابع في الحكم تابع في الحرمة والتعظيم. وقد ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجوز للمحدث مسّ المصحف حتى يتوضأ، وهو القول المنقول عن عدد من الصحابة رضي الله عنهم، ورجّحه أئمة التحقيق كشيخ الإسلام ابن تيمية.

واستدلوا بقول الله تعالى: {لا يمسه إلا المطهرون}، وهي آية اختلف في تفسيرها، فذهب بعضهم إلى أن المراد بها الصحف التي في اللوح المحفوظ بأيدي الملائكة، وذهب آخرون إلى أن المقصود بها القرآن الذي بين أيدينا، وسياق الآيات يقوّي هذا المعنى. وعلى القول الأول أيضًا تبقى الآية مشيرة إلى تعظيم شأن القرآن واشتراط الطهارة لمسّه قياسًا على ما في السماء.

كما استدلوا بكتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى عمرو بن حزم وفيه: «أن لا يمس القرآن إلا طاهر»، وهو وإن كان في سنده كلام، إلا أن الأمة تلقته بالقبول، وشهد بصحته كبار الأئمة من حيث الشهرة والعمل به، حتى قال بعضهم إنه في قوة المتواتر العملي. وتعضدت دلالته بآثار الصحابة كقول ابن عمر: «لا تمس المصحف إلا على طهارة»، وبوقائع تدل على التزامهم بهذا المعنى.

وخالف في ذلك ابن حزم، فرأى جواز مسّ المصحف للمحدث، محتجًا بكتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل وفيه آية من القرآن، وبضعف حديث عمرو بن حزم، وبأن الطاهر في الحديث يراد به المؤمن لا المتوضئ. غير أن الجمهور أجابوا بأن الكتاب لم يكن قرآنًا خالصًا، وأن الحديث وإن ضعف سنده فقد قوي بالشهرة والشواهد، وأن تفسير الطاهر بالمؤمن يعارضه عمل الصحابة وفهمهم للمراد منه.

الطواف بالبيت بين الخلاف الفقهي وروح التيسير

اختلف العلماء في اشتراط الطهارة للطواف على ثلاثة اتجاهات مشهورة. فذهب جمهور الفقهاء إلى أن الطهارة شرط لصحة الطواف، فمن طاف محدثًا لم يصح طوافه، واستدلوا بفعل النبي صلى الله عليه وسلم حين توضأ ثم طاف، وبقوله لعائشة رضي الله عنها لما حاضت: «افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري»، كما استأنسوا بحديث «الطواف بالبيت صلاة» وإن كان في رفعه خلاف.

وأجاب المخالفون بأن وضوء النبي صلى الله عليه وسلم فعل مجرد لا يدل على الوجوب، وأن منع الحائض من الطواف قد يكون لأجل المكث في المسجد لا لذات الحدث، وأن حديث الطواف كالصلاة لا يثبت مرفوعًا، ولو ثبت فلا يلزم منه اشتراط جميع شروط الصلاة، إذ الطواف يخالفها في كثير من الأحكام.

وذهب الحنفية ورواية عن الإمام أحمد إلى أن الطهارة ليست شرطًا لصحة الطواف، لكنها واجبة أو سنة، فمن طاف محدثًا جبره بدم عند بعضهم، وأعاد الطواف إن تيسر.

أما القول الثالث، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، فجمع بين النصوص وروح التيسير، فقرّر أن الطهارة الكبرى واجبة في الطواف، وأما الصغرى فمستحبة، وأن الحائض إذا اضطرت إلى الطواف صح طوافها ولا يلزمها شيء، قياسًا على سقوط الشروط عند العجز، واستنادًا إلى وقائع من السنة، منها أمر النبي صلى الله عليه وسلم لأسماء بنت عميس لما نفست أن تغتسل وتهل بالحج دون أن يمنعها من أعمال المناسك كما منع عائشة من الطواف، لما يترتب على النفاس من طول المدة والمشقة البالغة.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
خيانة وزير تفضحها كلمة فقيه وتودي به إلى نهاية مؤلمة
تكشف بعض القصص التاريخية كيف يمكن للمكر والخيانة أن ينقلبا على صاحبهما، وكيف قد يكون الصدق سببا في النجاة،...
المزيد »
الأدب الإسلامي المعاصر رحلة في أعماق الإنسان و تحولات المجتمع
يمثل الأدب الإسلامي المعاصر مساحة مهمة للتعبير عن قضايا الإنسان والمجتمع، من خلال الجمع بين القيمة الفنية...
المزيد »
الأخلاق الحسنة طريق المحبة وبناء مجتمع أكثر تماسكا
تمثل الأخلاق الحسنة أحد أهم الأسس التي تقوم عليها المجتمعات المستقرة، فهي التي تنظم علاقة الإنسان بغيره،...
المزيد »
مفهوم الاستصحاب وأهميته في استنباط الأحكام الشرعية
يعد الاستصحاب من القواعد الأصولية المهمة التي يعتمد عليها الفقهاء في التعامل مع المسائل التي لا يوجد...
المزيد »
مستقبل المدارس الدعوية في ظل التحولات الفكرية والتقنية
تواجه المدارس الدعوية مرحلة جديدة تفرض إعادة النظر في أدواتها وأساليبها التعليمية، مع تسارع التحولات...
المزيد »
لغة الجسد ودورها في تعزيز قوة الخطاب
لا يعتمد نجاح الخطاب على الكلمات وحدها، فطريقة الوقوف، وحركة اليدين، ونظرات العين، وتعابير الوجه، ونبرة...
المزيد »
الدعوة بالحكمة وأثرها في تقبل الناس للرسالة
الدعوة إلى الله ليست مجرد نقل للمعلومات أو عرض للأحكام، وإنما هي رسالة تقوم على مخاطبة الإنسان بما يناسب...
المزيد »
الخطاب الديني تحت الضغط في عصر السوشيال ميديا
لم يعد الخطاب الديني في العصر الحديث يتحرك داخل المساحات التقليدية التي كانت تقتصر على المسجد أو الكتاب...
المزيد »
بين الأصالة والانفتاح..
يواجه الفكر الإسلامي المعاصر مجموعة واسعة من التيارات والأفكار الوافدة التي فرضتها التحولات السياسية...
المزيد »
شبهة تعارض الدين مع العلم
تتردد من حين إلى آخر شبهة تزعم وجود تعارض بين الدين والعلم، وتقدم الإسلام باعتباره في مواجهة مع الاكتشافات...
المزيد »
رأي الإمام أحمد بن حنبل في المسح على الجبيرة وضوابطه الفقهية
المسح على الجبيرة من المسائل الفقهية التي تظهر فيها مرونة الشريعة الإسلامية ومراعاتها لأحوال المكلفين،...
المزيد »
قاعدة «المعروف عرفا كالمشروط شرطا» وأثر العرف في الأحكام الفقهية
قاعدة "المعروف عرفا كالمشروط شرطا" من القواعد الفقهية المهمة التي تكشف عن مرونة الفقه الإسلامي وقدرته...
المزيد »
«بنوك لبن الآدميات» في الشريعة الإسلامية بين الحاجة الطبية والضوابط الفقهية
أثارت بنوك لبن الآدميات جدلا فقهيا معاصرا، نظرا لارتباطها بمسألة الرضاع وما يترتب عليه من أحكام شرعية،...
المزيد »
فقه المقاصد ودوره في تجديد الخطاب الفقهي ومواكبة تحديات العصر
لم يعد تجديد الخطاب الفقهي مجرد استجابة لتغيرات الواقع، بل أصبح ضرورة لفهم النصوص الشرعية في ضوء مقاصدها...
المزيد »
سر الخلاف بين العلماء حول القنوت في صلاة الفجر
القنوت في صلاة الفجر من المسائل الفقهية التي اختلف فيها العلماء قديما وحديثا، حيث تناول الفقهاء حكمه...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك