![]()
قل: دهشت ولا تقل: اندهشت..
تصحيح لغوي يوضح الفرق بين الفعل المجرد والمزيد
زياد الشرشابي
قل: دهشت ولا تقل: اندهشت..
تصحيح لغوي يوضح الفرق بين الفعل المجرد والمزيد
تعد سلامة التعبير اللغوي من أبرز مظاهر التمكن من اللغة العربية، إذ لا يقتصر إتقان اللغة على معرفة معاني الكلمات واستخدامها في سياقاتها المختلفة، بل يمتد إلى إدراك أصول الأفعال وصيغها الصرفية، والتمييز بين ما يصح استعماله وما يحتاج إلى مراجعة. ومن التعبيرات التي تثير التساؤل لدى بعض المهتمين باللغة العربية قولهم: «اندهشت» للتعبير عن المفاجأة والاستغراب، في حين يذهب بعض اللغويين إلى تفضيل قول: «دهشت»، باعتبارها الصيغة الأوضح والأقرب إلى الأصل اللغوي.
دهشت أم اندهشت؟ الأصل اللغوي للمسألة
لفهم المسألة من الناحية اللغوية، ينبغي الرجوع إلى الفعل «دَهِشَ»، وهو فعل ثلاثي مجرد يدل على الحيرة والاستغراب والتحير أمام أمر غير متوقع. ويقال: دهش الإنسان إذا أصابه الذهول أو الحيرة، نتيجة موقف مفاجئ أو خبر غير مألوف.
وعليه، فإن قولنا «دهشت من الخبر» يعني أن الخبر أثار في النفس الاستغراب والحيرة، وهو تعبير يؤدي المعنى المقصود بوضوح، ويتفق مع أصل الفعل في اللغة العربية.
أما «اندهش»، فهو فعل مزيد بالهمزة والنون، على وزن «انفعل»، وهو من الأوزان الصرفية التي تأتي في العربية لمعان متعددة، من بينها المطاوعة أو حدوث الفعل في صاحبه، بحسب طبيعة الفعل والسياق الذي يرد فيه.
ومن هنا ينشأ النقاش حول مدى الحاجة إلى استخدام صيغة «اندهش»، ما دام الفعل الثلاثي «دهش» يؤدي المعنى المطلوب بصورة مباشرة.
لماذا يفضل بعض اللغويين قول «دهشت»؟
يقوم تفضيل «دهشت» لدى بعض المهتمين باللغة العربية على مبدأ العودة إلى الأصول اللغوية، وتجنب التوسع في استخدام الأفعال المزيدة متى كان الفعل المجرد كافيا لأداء المعنى.
فالفعل «دهش» واضح الدلالة على الاستغراب والذهول، ولا يحتاج إلى زيادة حروفه للتعبير عن هذه الحالة. ولذلك يفضل أن يقال: «دهشت من تصرفه»، أو «دهشت عندما سمعت الخبر»، أو «دهش الحاضرون من النتيجة».
ويستند هذا التوجه إلى الحرص على دقة التعبير، والتمييز بين الصيغ التي لها أصل معروف في العربية وتلك التي قد يشيع استعمالها بفعل التأثر بالتعبيرات الحديثة أو التوسع في الاشتقاق.
لكن من المهم هنا التمييز بين تفضيل صيغة لغوية من الناحية الأسلوبية وبين الحكم بخطأ صيغة أخرى من الناحية الصرفية أو المعجمية؛ فليس كل فعل مزيد أقل فصاحة من نظيره المجرد، كما أن زيادة الحروف في الكلمة لا تعني بالضرورة وجود خطأ لغوي.
هل تعد كلمة «اندهشت» خطأ لغويا؟
تحتاج الإجابة عن هذا السؤال إلى قدر من الدقة؛ إذ لا يصح إطلاق حكم عام بأن كلمة «اندهشت» خطأ لمجرد أن أصل المعنى يمكن التعبير عنه بالفعل «دهشت».
فاللغة العربية تعرف الفعل «اندهش» وتستعمله في معنى الذهول والاستغراب، وقد ورد في الاستعمال المعاصر على نطاق واسع. كما أن صيغة «انفعل» من الصيغ الصرفية المعروفة في العربية، ولا يجوز رفض أي فعل يأتي على وزنها دون الرجوع إلى المعاجم اللغوية الموثوقة والنظر في استعماله.
لذلك، فإن القول إن «دهشت» هي الصيغة الصحيحة وحدها، وإن «اندهشت» خطأ مطلقا، يحتاج إلى دليل معجمي واضح يثبت هذا المنع. أما مجرد وجود الفعل الثلاثي «دهش» فلا يكفي وحده للحكم بعدم صحة الفعل المزيد «اندهش».
ومن ثم، فإن الأدق لغويا هو القول إن «دهشت» تعبير عربي سليم ومباشر، وإن «اندهشت» مستعملة كذلك في العربية المعاصرة للدلالة على المعنى نفسه، مع مراعاة ما تقرره المعاجم في شأن الفعلين.
القاعدة اللغوية الأهم: لا تحكم على الكلمة من شكلها وحده
توضح هذه المسألة أهمية علم الصرف في فهم اللغة العربية، فهو العلم الذي يدرس بنية الكلمات وما يطرأ عليها من تغيير بالزيادة أو الحذف أو غيرهما. كما تكشف عن ضرورة الرجوع إلى المعاجم عند تصحيح التعبيرات الشائعة، بدلا من الاعتماد على الانطباع الشخصي أو القواعد العامة وحدها.
فالأصل الثلاثي قد يكون كافيا للتعبير عن المعنى، لكن ذلك لا يعني أن كل صيغة مزيدة منه مرفوضة. والاحتكام إلى اللغة لا يقوم على تفضيل الأقصر دائما، بل على ثبوت الاستعمال وصحة الاشتقاق ودقة الدلالة.
يمكن القول «دهشت من الموقف» تعبيرا صحيحا وفصيحا، كما يمكن استعمال «اندهشت من الموقف» في العربية المعاصرة. وإذا كان الهدف هو التنبيه إلى أصل الفعل الثلاثي، فالأفضل توضيح أن «دهشت» صيغة مباشرة وأصيلة، لا الجزم بأن «اندهشت» خطأ لغوي من دون سند معجمي معتبر.
قل:
دهشت
ولا تقل:
اندهشت
القاعدة:
توضح هذه المسألة أهمية علم الصرف في فهم اللغة العربية، فهو العلم الذي يدرس بنية الكلمات وما يطرأ عليها من تغيير بالزيادة أو الحذف أو غيرهما. كما تكشف عن ضرورة الرجوع إلى المعاجم عند تصحيح التعبيرات الشائعة، بدلا من الاعتماد على الانطباع الشخصي أو القواعد العامة وحدها.
فالأصل الثلاثي قد يكون كافيا للتعبير عن المعنى، لكن ذلك لا يعني أن كل صيغة مزيدة منه مرفوضة. والاحتكام إلى اللغة لا يقوم على تفضيل الأقصر دائما، بل على ثبوت الاستعمال وصحة الاشتقاق ودقة الدلالة.
- كلمات مفتاحية | قل ولا تقل



