![]()
معرض «القرآن والقرم» يوثق صمود الهوية الإسلامية عبر التاريخ
شهدت العاصمة الأوكرانية كييف افتتاح معرض توثيقي بعنوان «القرآن والقرم» داخل أحد أجنحة متحف التاريخ الوطني الأوكراني، وذلك بهدف تسليط الضوء على جانب مهم من ذاكرة المسلمين من تتار القرم، واستحضار معاناتهم خلال سنوات التهجير القسري التي تعرضوا لها في القرن الماضي. ويأتي هذا المعرض ليعيد إحياء صفحات مؤلمة من تاريخ المنطقة، من خلال عرض مصاحف نجت من رحلة النفي الطويلة، وبقيت شاهدا حيا على تمسك أصحابها بدينهم وهويتهم رغم قسوة الظروف.
مصاحف رافقت رحلة التهجير والمعاناة
يضم المعرض مجموعة من المصاحف القديمة التي اصطحبها مسلمو تتار القرم معهم خلال عمليات التهجير القسري التي وقعت في شهر مايو عام 1944م، عندما أُجبر عشرات الآلاف منهم على مغادرة موطنهم التاريخي في شبه جزيرة القرم بأوامر من السلطات السوفيتية آنذاك، وقد نُقل المهجّرون إلى مناطق متفرقة شملت سيبيريا وجبال الأورال وبلدان آسيا الوسطى، حيث عاشوا سنوات طويلة من المعاناة والحرمان بعيدًا عن أرضهم الأصلية.
ورغم الظروف القاسية التي أحاطت بهم، حرص كثير من العائلات على الاحتفاظ بالمصاحف باعتبارها رمزًا للإيمان والانتماء، فحملوها معهم في رحلات التهجير الشاقة، وظلت ترافقهم لعقود طويلة حتى عاد جزء كبير من تتار القرم إلى وطنهم بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في مطلع تسعينيات القرن العشرين. ولهذا اكتسبت هذه المصاحف قيمة تاريخية وروحية كبيرة، لأنها لم تكن مجرد كتب دينية، بل تحولت إلى رموز للصمود والثبات والمحافظة على الهوية الإسلامية.
الهوية الدينية في مواجهة محاولات الاقتلاع
يعكس المعرض بوضوح قدرة الشعوب على التمسك بجذورها الثقافية والدينية مهما اشتدت الأزمات. فمسلمو تتار القرم واجهوا محاولات مستمرة لطمس هويتهم وإبعادهم عن تاريخهم وتراثهم، إلا أنهم حافظوا على لغتهم وعاداتهم وشعائرهم الدينية عبر الأجيال.
وكان للمصحف الشريف دور محوري في هذا الثبات، إذ مثّل مصدرًا للقوة الروحية والأمل في أوقات المحنة. وقد تناقلت العائلات هذه المصاحف من جيل إلى آخر، لتظل شاهدًا على رحلة طويلة من الصبر والمعاناة، كما أصبحت رمزًا لاستمرار الوجود الإسلامي في القرم رغم عقود التهجير والنفي.
ويؤكد القائمون على المعرض أن الهدف لا يقتصر على عرض مقتنيات تاريخية فحسب، بل يتعداه إلى تعريف الأجيال الجديدة بما حدث لأسلافهم، وربطهم بتاريخهم الثقافي والديني، حتى تبقى هذه الذاكرة حاضرة في الوعي الجماعي للمجتمع المسلم.
اهتمام ثقافي ودبلوماسي بالمعرض
شهد افتتاح المعرض حضور عدد من الباحثين والمهتمين بالتاريخ والثقافة الإسلامية، إضافة إلى ممثلين دبلوماسيين وسفراء في العاصمة كييف، وهو ما يعكس أهمية الحدث على المستويين الثقافي والإنساني. كما يُتوقع أن يستقطب المعرض أعدادًا من الزوار والباحثين خلال الأشهر المقبلة، خاصة أنه يستمر حتى نهاية شهر سبتمبر القادم.
ويُنظر إلى هذه الفعالية بوصفها جسرًا للتعريف بتاريخ تتار القرم، وإبراز إسهاماتهم الحضارية والدينية في شبه الجزيرة عبر القرون. فالقرم لم تكن مجرد منطقة جغرافية، بل شكلت عبر التاريخ مركزًا مهمًا للحضور الإسلامي والثقافة الإسلامية في أوروبا الشرقية.
دلالات تاريخية وإنسانية عميقة
يحمل معرض «القرآن والقرم» العديد من الدلالات المهمة، وفي مقدمتها توثيق الذاكرة الدينية لمسلمي تتار القرم، وتذكير العالم بالمأساة التي تعرضوا لها خلال القرن العشرين. كما يبرز المعرض مكانة المصحف الشريف باعتباره رمزًا للهوية والصمود في مواجهة النفي والاقتلاع.
ومن جهة أخرى، يساهم الحدث في إعادة تسليط الضوء على التاريخ الإسلامي لشبه جزيرة القرم، وإبراز الدور الذي لعبه المسلمون هناك عبر فترات طويلة من التاريخ. كما يؤكد أن الحفاظ على التراث الديني والثقافي يمثل جزءًا أساسيًا من حماية ذاكرة الشعوب وهويتها الحضارية.
وفي ظل ما يشهده العالم من اهتمام متزايد بتوثيق تجارب الشعوب ومعاناتها التاريخية، يأتي هذا المعرض ليقدم رسالة إنسانية مؤثرة مفادها أن الإيمان والهوية يمكن أن يبقيا حاضرين حتى في أصعب الظروف، وأن التراث الديني ليس مجرد مقتنيات قديمة، بل سجل حيّ يحفظ تاريخ الأمم وذاكرتها عبر الزمن.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | أوكرانيا, الاتحاد السوفيتي, الثقافة الإسلامية, القرم, كييف, معرض القرآن الكريم



