“مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَة”.. تحريض على الهجرة في سبيل الله

جاء قوله تعالى: "مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً" في سورة النساء، في سياق الحديث عن الهجرة في سبيل الله. والمعنى العام للآية هو أن من يهاجر في سبيل الله....
فلسفة التوكل في أحداث الهجرة

“مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَة”.. تحريض على الهجرة في سبيل الله

جاء قوله تعالى: “مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً” في سورة النساء،  في سياق الحديث عن الهجرة في سبيل الله. والمعنى العام للآية هو أن من يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مكانًا للهروب من الأذى والاضطهاد، بالإضافة إلى رزق واسع وسعة في العيش.

و”مُرَاغَمًا”، مشتق من “الرَّغْم”، وهو كره الشيء والإذلال. والمعنى هنا يشير إلى أن المهاجر يجد في الأرض مكانًا يتحرك فيه بعيدًا عن أعدائه أو من يضطهده، كأنما يخرج من تحت سيطرتهم رغمًا عنهم. ويُفهم من ذلك أن الله يهيئ له طرقًا للخلاص من المآزق والمضايقات.

وَ”سَعَةً”: تشير إلى الرزق الواسع وراحة العيش. أي أن الله يوفر للمهاجر مكانًا يجد فيه سعة في الرزق والمعيشة، تعويضًا عن ما تركه وراءه من وطنه وأمواله.

فالآية تشجع على الهجرة في سبيل الله، وتبين أن الله يفتح أبواب الخير والسعة للمهاجرين.

الآية نزلت في حبيب بن ضمرة اللَّيثي وكان شيخًا كبيرًا خرج متوجِّهًا إلى المدينة فمات في الطَّريق فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو وافى المدينة لكان أتمَّ أجرًا فأنزل الله تعالى هذه الآية وأخبر أنَّ مَنْ قصد طاعةً ثمَّ أعجزه العذر عن تمامها كتب الله ثواب تمام تلك الطَّاعة ومعنى ﴿ وقع أجره على الله ﴾ وجب ذلك بإيجابه.وجاء في تفسير البغوي “معالم التنزيل”: قَوْلُهُ تَعَالَى: ” وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً” ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: مُراغَمًا أَيْ: مُتَحَوَّلًا يَتَحَوَّلُ إِلَيْهِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مُتَزَحْزِحًا عَمَّا يَكْرَهُ، وَقَالَ أبو عبيدة: المراغم: المهاجر، يُقَالُ: رَاغَمْتُ قَوْمِي وَهَاجَرْتُهُمْ، وَهُوَ المضطرب والمذهب، قيل: سميت المهاجرة مراغمًا؛ لأن من يهاجر يراغم قومه وسعة أي: في الرزق، وقيل: سعة من الضلالة إلى الهدى، وَرُوِيَ: أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ سَمِعَهَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي لَيْثٍ شَيْخٌ كَبِيرٌ مَرِيضٌ يُقَالُ له جندب بْنُ ضَمْرَةَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أنا مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وإني لأجد حيلة، ولي من المال ما يبلغني المدينة وأبعد منها، والله لا أَبِيتُ اللَّيْلَةَ بِمَكَّةَ، أَخْرِجُونِي فَخَرَجُوا بِهِ يَحْمِلُونَهُ عَلَى سَرِيرٍ حَتَّى أَتَوْا بِهِ التَّنْعِيمَ فَأَدْرَكَهُ الْمَوْتُ، فصفّق بيمينه عَلَى شَمَالِهِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ هَذِهِ لَكَ وَهَذِهِ لِرَسُولِكَ أُبَايِعُكَ عَلَى مَا بَايَعَكَ عَلَيْهِ رَسُولُكَ، فَمَاتَ فَبَلَغَ خَبَرُهُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: لَوْ وَافَى الْمَدِينَةَ لَكَانَ أَتَمَّ وَأَوْفَى أَجْرًا، وَضَحِكَ الْمُشْرِكُونَ وَقَالُوا: مَا أَدْرَكَ هَذَا مَا طَلَبَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ ﴾، أَيْ: قَبْلَ بُلُوغِهِ إِلَى مُهَاجِرِهِ، ﴿ فَقَدْ وَقَعَ ﴾ أَيْ: وَجَبَ ﴿ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾، بِإِيجَابِهِ عَلَى نَفْسِهِ فَضْلًا مِنْهُ، ﴿ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
العِلمُ شرطُ الشهادة..
ثمة آيةٌ في كتاب الله تعالى تقف أمامها متأملاً فتُدهشك في كل مرة بعمقها وسموّ دلالتها، وهي قوله جل وعلا...
المزيد »
آراء العلماء المعاصرين
يرى جمهور كبير من العلماء المعاصرين جواز إخراج الزكاة وتحويلها عبر المنصات الإلكترونية والتطبيقات البنكية،...
المزيد »
الطلاق السني والبدعي عند الإمام أبي حنيفة
الطلاق من الأحكام الشرعية التي نظمها الإسلام بدقة؛ حفاظا على استقرار الأسرة وتقليل آثار الانفصال السلبية،...
المزيد »
مقاصد إصلاح العالم..
لم يأتِ الإسلام إلى العالم بوصفه طقوسًا معزولة عن الحياة، ولا رسالةً روحية تنحصر في جدران المعابد، وإنما...
المزيد »
«العبرة للغالب الشائع لا للنادر»..
تعد قاعدة "العبرة للغالب الشائع لا للنادر" من القواعد الفقهية المهمة التي تعكس مرونة الشريعة الإسلامية...
المزيد »
حكم لمس المرأة وأثره على الوضوء بين المذاهب الفقهية
تظهر مسألة لمس المرأة ونقض الوضوء جانبا مهما من سعة الفقه الإسلامي، حيث اجتهد العلماء في فهم النصوص واستنباط...
المزيد »
الفرق بين الحد والقصاص في الشريعة الإسلامية 
يشترك الحد والقصاص في تحقيق العدالة وحماية المجتمع، لكنهما يختلفان في طبيعة الحق ونوع الجريمة وإمكانية...
المزيد »
سعيد بن زيد..
سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل القرشي العدوي رضي الله عنه من كبار صحابة رسول الله ﷺ، ومن السابقين الأولين...
المزيد »
أويس القرني.. دعوة مستجابة بشر بها رسول الله
يبقى أويس القرني رمزا خالدا للبر والزهد والإيمان الصادق، وسيرته تذكير دائم بأن الأعمال الخفية الصادقة...
المزيد »
معركة بلاط الشهداء أوقفت التوسع الإسلامي بسبب صمود الفرنجة 
واصل المسلمون توسعاتهم الكبرى بعد فتح الأندلس عام 711م بقيادة طارق بن زياد وموسى بن نصير، حيث أصبحت شبه...
المزيد »
صمود عكا أمام نابليون
أثبتت معركة عكا أن التحصينات القوية، والقيادة الصلبة، والدعم الشعبي والعسكري المشترك، يمكن أن تصنع نصرًا...
المزيد »
زواجٌ مهد الله به لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم
خرج محمد صلى الله عليه وسلم مع غلام خديجة ميسرة نحو الشام، وكانت تلك الرحلة هي التي ستُحدد مصير قصة الزواج...
المزيد »
«حب الوطن من الإيمان»..
إن مقولة "حب الوطن من الإيمان" ليست حديثا نبويا، رغم شيوعها الواسع بين الناس، لكن معناها العام لا يتعارض...
المزيد »
أذكار دخول المسجد.. نور للقلب وبركة في العبادة
أذكار دخول المسجد من السنن النبوية العظيمة التي تجمع بين الذكر والتعظيم وطلب الرحمة. وهي كلمات يسيرة...
المزيد »
الدعاء عند دخول المنزل والخروج منه حصن المسلم اليومي
الدعاء عند دخول المنزل والخروج منه من السنن النبوية العظيمة التي تحمل معاني الحفظ والبركة والتوكل على...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك