![]()
مواجهة التيارات المادية.. صراع الإنسان مع فراغ الروح
مواجهة التيارات المادية.. صراع الإنسان مع فراغ الروح
منذ أن انطلقت الفلسفات المادية الحديثة في القرن التاسع عشر، والعقل البشري يواجه أخطر تحوّلٍ في مساره الإيماني والفكري. فقد جاءت المادية لتُنكر الغيب، وتختزل الوجود في حدود المادة والمحسوس، فأنكرت الروح، ورفضت الوحي، وجرّدت الإنسان من بُعده الإلهي الذي يمنحه المعنى والكرامة.
جوهر التيار المادي وأصوله
المادية ليست مجرد موقفٍ فلسفي، بل رؤية شاملة للكون والحياة والإنسان. نشأت جذورها في أوروبا كردّ فعلٍ على هيمنة الكنيسة وممارساتها القمعية، فانتقلت من رفض الظلم باسم الدين إلى رفض الدين نفسه.
ومن أبرز روّادها كارل ماركس في المادية الجدلية، وأوغست كونت في الوضعية، وفرويد في التحليل النفسي الذي فسّر السلوك الإنساني بدوافع الغريزة وحدها. جميعهم اتفقوا على إقصاء الإله من الوجود، واعتبار المادة هي الحقيقة المطلقة التي تفسّر كل شيء.
آثار المادية على الإنسان والمجتمع
أفرزت المادية إنسانًا غريبًا عن ذاته، يلهث خلف المنفعة، ويقيس القيم بمقاييس السوق واللذة. تحوّل الضمير إلى آلةٍ اقتصادية، وغاب المعنى عن العمل والعلم والعلاقات.
ولأن المادية تنفي الغاية من الخلق، فقد أنتجت حضارةً متخمةً بالتقنية، لكنها جائعة إلى الرحمة. صارت الآلة أقوى من الإنسان، والمصلحة أقدس من الحقيقة، والعلم سلاحًا بلا ضمير.
وفي ظلال هذا الفراغ الروحي تفاقمت أزمات العصر: الانتحار، العزلة، القلق، وانهيار الأسرة، وهي أمراض لم تصنعها الفاقة بل غياب الإيمان.
المواجهة الفكرية والإيمانية
مواجهة التيار المادي لا تكون بالصدام الشعاراتي، بل بالعودة إلى التكامل الإنساني الذي يجمع بين العقل والروح، وبين العلم والإيمان.
الإسلام لا يُنكر المادة، بل يُعيدها إلى موقعها الصحيح كوسيلةٍ لا كغاية. فهو يُقرّ العقل ويقدّره، لكنه يذكّره بحدوده أمام الغيب الإلهي.
قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾، أي أن العلم لا يستطيع أن يحيط بسرّ الوجود كله، لأن بعضه من أمر الله وحده.
ومن هنا، فالإيمان ليس عدوًّا للعلم، بل هو روحه، وإذا انفصل العلم عن الإيمان تحوّل إلى طغيانٍ جديدٍ باسم التقدّم.
استعادة التوازن بين المادة والروح
المعركة مع المادية هي معركة هويةٍ إنسانية قبل أن تكون فكرية. فكل نهضةٍ حقيقية لا تقوم على التقنية وحدها، بل على بناء الإنسان من داخله.
والطريق إلى ذلك هو بعث الإيمان في صميم الوعي، وإحياء القيم التي تُعيد للمادة معناها، وللحياة هدفها. فالمجتمعات التي تُؤمن بأن الإنسان خليفة الله في الأرض لا يمكن أن تُقيم حضارتها على أنقاض الضمير.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الإسلام والعلم, التيارات المادية, الفلسفة الوضعية, الماركسية



