![]()
مقاصد الصلاة: من الطقوس إلى الصلة الحيّة
إذا أردنا أن نفتش عن سرّ العبادة في الإسلام، فلن نجد أعمق أثرًا ولا أرسخ حضورًا من الصلاة. فهي أول ما افترض الله على عباده بعد الشهادتين، وآخر وصايا النبي ﷺ عند موته، وميزان العبد في دنياه وأخراه. غير أن النظر إلى الصلاة بوصفها حركات بدنية وألفاظًا مقررة يُفقدها جوهرها، ويُبقيها طقسًا فارغًا. إنما المقصود الأعظم أن تتحول الصلاة إلى صلة حيّة بين العبد وخالقه، وإلى مورد دائم للسكينة والهداية.
المقصد الروحي: حضور القلب بين يدي الله
أول مقاصد الصلاة أن تذكّر العبد بخالقه، وتستحضر عظمته في كل لحظة. قال تعالى: “وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي”[طه: 14]. فالمقصد ليس مجرد أداء ظاهري، وإنما أن يكون القلب حاضرًا، والوجدان خاشعًا، والروح في مقام المناجاة. وحين يتحقق هذا المعنى، تصبح الصلاة معراجًا يرقى فيه العبد من عالم المادة إلى عالم النور، يجد فيها ملاذًا من عناء الحياة، كما قال النبي ﷺ: “وجُعلت قرة عيني في الصلاة”.
المقصد الأخلاقي: تهذيب السلوك وضبط النفس
ليست الصلاة غاية في ذاتها، بل وسيلة لتحقيق صلاح السلوك. فالقرآن يقرر صراحة: “إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ”[العنكبوت: 45]. أي أن من لوازمها أن تربي الضمير، وتنهى صاحبها عن الرذائل. ومن هنا شبّه العلماء أثر الصلاة في حياة المؤمن بأثر الماء الجاري الذي يطهّر الجسد كل يوم خمس مرات؛ فهي تطهّر القلب من أدران الغفلة والذنوب.
المقصد الاجتماعي: وحدة الجماعة وتماسك الأمة
الصلاة في جماعة ترسّخ قيم المساواة والانضباط. فالصفوف المنتظمة خلف الإمام تذيب الفوارق الاجتماعية بين الغني والفقير، والحاكم والمحكوم، وتوحّد القلوب على طاعة الله. كما أن التلاقي اليومي في المساجد يولّد روح الأخوة، ويشيع معاني التضامن بين المسلمين، حتى وصفها بعض العلماء بأنها “مؤسسة تربوية واجتماعية” لا تقل أهمية عن كونها عبادة فردية.
المقصد الزمني: ضبط إيقاع الحياة
للصلاة مواقيت محددة، تبدأ مع طلوع الفجر وتنتهي مع غروب الشمس وسكون الليل. وهذا الانضباط الزمني يربّي في المسلم حسّ النظام والدقة، فيصبح يومه كله محكومًا بميزان الطاعة، متذكّرًا أن حياته نفسها رحلة قصيرة محكومة بأجل. فهي ليست استجابة لنداء رباني فحسب، بل تربية عملية على استثمار الوقت وتقدير قيمة العمر.
المقصد الوجودي: تجسيد معنى العبودية
أعمق مقاصد الصلاة أنها تجسّد غاية الخلق التي نصّ عليها القرآن: “وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ”[الذاريات: 56]. ففي الركوع خضوع، وفي السجود ذروة التذلل، وفي القيام والجلوس تسليم كامل لله. إنها دورة يومية يتذكّر بها المسلم أن وجوده نفسه قائم على العبودية، وأن الحرية الحقيقية إنما تكون في الخضوع لله وحده.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | أهمية فقه المقاصد, فقه المقاصد, مقاصد الصلاة



