صلاة المريض بين فقه المذاهب وتيسير الشريعة

حين يشتد المرض على المسلم ويعجز عن أداء الصلاة قائماً، فإن الشريعة لا تحرمه من فضلها، بل تفتح له أبواب التيسير. فمن لم يستطع القيام صلى قاعداً، ومن قدر على القيام لكن قيامه يزيد مرضه...
صلاة المريض بين فقه المذاهب وتيسير الشريعة

صلاة المريض بين فقه المذاهب وتيسير الشريعة

حين يشتد المرض على المسلم ويعجز عن أداء الصلاة قائماً، فإن الشريعة لا تحرمه من فضلها، بل تفتح له أبواب التيسير. فمن لم يستطع القيام صلى قاعداً، ومن قدر على القيام لكن قيامه يزيد مرضه أو يؤخر شفاؤه، جاز له أن يجلس. بل إن من ابتلي بسلس البول، وعلم أن القيام يفسد طهارته بينما الجلوس يحفظها، فله أن يصلي قاعداً. وهكذا يظل المريض مرتبطاً بصلاته مهما كانت حالته، إذ لا تسقط عنه ما دام عقله ثابتاً، وإنما ينتقل من هيئة إلى أخرى بحسب استطاعته. وقد اتفق الحنفية والحنابلة على وجوب القيام إذا أمكن ولو مستنداً إلى عصا أو حائط، بينما رأى المالكية والشافعية أن القيام المستند لا يتعين في بعض الحالات، فجعلوا له سعة في الاختيار.

هيئة الجلوس والاضطجاع عند العجز

إذا عجز المصلي عن القيام، وجلس لأداء صلاته، فقد اختلفت المذاهب في هيئة جلوسه. المالكية والحنابلة استحبوا له التربع، بينما الحنفية والشافعية أجازوا له أن يجلس كيف شاء، والأفضل عندهم أن يكون على هيئة التشهد. أما إذا عجز عن الجلوس مطلقاً، انتقل إلى الاضطجاع أو الاستلقاء، مع اختلاف المذاهب في ترتيب هذه الحالات. فالمالكية يقدمون الاضطجاع على الجنب الأيمن، ثم الأيسر، ثم الاستلقاء على الظهر، بينما الحنفية يرون أن الاستلقاء على الظهر أفضل مع رفع الرأس قليلاً ليكون الوجه إلى القبلة. أما الشافعية فأوجبوا رفع الرأس بالوسادة عند الاستلقاء، ليظل الوجه متوجهاً إلى القبلة، وأجازوا الإيماء بالرأس أو حتى بالأجفان عند العجز التام.

الركوع والسجود والإيماء عند العجز

الركوع والسجود ركنان عظيمان في الصلاة، لكن المريض قد يعجز عنهما. فإن قدر على القيام والسجود وعجز عن الركوع، وجب عليه أن يقوم ويقرأ ثم يومئ للركوع ويسجد. وإن قدر على القيام دون الجلوس، وعجز عن الركوع والسجود، أومأ لهما من قيام، ويكون إيماؤه للسجود أخفض من الركوع. أما إذا لم يقدر إلا على الجلوس، أومأ لهما من جلوس. وإذا عجز عن كل ذلك، أومأ بعينيه أو استحضر الأركان بقلبه، ولا تسقط الصلاة عنه ما دام عقله حاضراً. وقد خالف الحنفية في بعض هذه التفاصيل، فرأوا أن الإيماء من جلوس أفضل من الإيماء من قيام عند العجز عن السجود، كما قالوا إن الصلاة لا تصح إذا اقتصر المصلي على الإيماء بالقلب أو العين فقط.

رحمة الشريعة وتنوع المذاهب

هذا التنوع في أقوال الفقهاء يعكس رحمة الشريعة وحرصها على أن يبقى المسلم متصلاً بصلاته في كل حالاته، فلا يُحرم من عبادة هي عمود الدين. فالمريض يجد في الفقه الإسلامي فسحةً تليق بضعفه، وتيسيراً يراعي حالته، مع بقاء الصلاة واجبة لا تسقط إلا بزوال العقل. وهكذا تتجلى عظمة الشريعة في الجمع بين حفظ العبادة وصون النفس، وبين التيسير والالتزام.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
بين الجلال واللطف.. أحوال تفخيم الراء وترقيقها في علم التجويد
من بين الحروف التي حظيت بعناية خاصة لدى علماء التجويد حرف الراء، ذلك الحرف الذي يتردد بين حالتين صوتيتين...
المزيد »
ائتمام القائم بالقاعد..
تُعدّ مسألة صلاة الواقف خلف الإمام القاعد من المسائل التي تتجلى فيها مرونة الفقه الإسلامي، واتساعه لاستيعاب...
المزيد »
خطب النبي.. شبهة الإخفاء ومغالطات الطرح
تتردد بين حين وآخر شبهة تزعم أن خطب النبي صلى الله عليه وسلم لم تُنقل كاملة، أو أنها تعرّضت للإخفاء أو...
المزيد »
جماليات علم مقارنة السور والمتشابهات في القرآن الكريم
ليس التكرار في القرآن الكريم إعادةً جامدة، ولا هو عَوْدٌ إلى المعنى ذاته بغير إضافة، بل هو فنٌّ رفيعٌ...
المزيد »
عظمة الأنساق التعبيرية في القرآن الكريم
 الكلمات في فضاء البيان القرآني لا تتجاور على سبيل المصادفة، ولا تتآلف التراكيب لمجرد أداء المعنى، بل...
المزيد »
السلام.. تحية الإسلام التي تُشيع الطمأنينة وتبني جسور القلوب
مع بزوغ فحر الإسلام، غدت تحية الإ شعارًا جامعًا، وروحًا نابضة تعبّر عن هوية الأمة، وتؤسس لعلاقاتها على...
المزيد »
توجهات الفقهاء بين الاستحباب والكراهة في دعاء الاستفتاح
صحّت الأحاديث في سنّية الدعاء بعد تكبيرة الإحرام وقبل الشروع في القراءة، وهو ما ذهب إليه عامة أهل العلم،...
المزيد »
الماهر بالقرآن.. بين رفعة الحفظ وسمو المعنى
الالتقاء بكتاب الله انغماس في بحرٍ من النور، تتجلى فيه المعاني وتسمو الأرواح، خاصة عندما يكون من ماهر...
المزيد »
الخطبة المؤثرة.. تناغم صوت الداعية مع نبض الجمهور
الخطيب المؤثر لا يقف أمام الناس كقارئ جامد، بل كقائد وجداني يتناغم مع مشاعرهم. يقرأ وجوههم، يلتقط أنفاسهم،...
المزيد »
التنبؤ بموت أبي لهب على الكفر.. مشهد من الإعجاز القرآني
حين نزلت سورة المسد في بدايات الدعوة الجهرية، حملت كلماتها وقعاً شديداً على قلوب أهل مكة، إذ أعلنت بوضوح...
المزيد »
الفتح الإسلامي في فرنسا.. من أربونة إلى بلاط الشهداء
حين عبر المسلمون بقيادة موسى بن نصير وطارق بن زياد جبال البرتات بعد فتح الأندلس، بلغوا تخوم فرنسا الحالية،...
المزيد »
معركة سبيطلة.. بداية فتوحات إفريقية
بعد استشهاد الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، توقفت حركة الفتح الكبرى، ولم يبق سوى سرايا صغيرة تستكشف...
المزيد »
خلافة على بن أبي طالب.. دولة العدل في زمن الفتن
جاءت خلافة الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه في فترةٍ عاصفة من تاريخ الأمة، حيث تموجت الفتن وتصادمت...
المزيد »
 النظافة في الإسلام.. رقي الذات واحترام الآخرين
في منظومة القيم الإسلامية، لا تنفصل الطهارة عن جوهر الإيمان، فهي ليست مجرد إجراء صحي أو عادة اجتماعية...
المزيد »
 خطاب الدين الحي.. من الثوابت إلى ساحة الواقع
 لم يعد مقبولاً حبس الخطاب الديني بين جدران التفسير المجرد والنقاش العقائدي المحض. لقد باتت الحاجة ملحة...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك