![]()
سلمان الفارسي.. الباحث عن النور في دروب الظلمات
هناك رجال لم يولدوا على أبواب النبوة، لكنهم حملوا قلوبًا عطشى تبحث عن الحق بين ركام الباطل، حتى ساقهم القدر إلى نور الإسلام. ومن أولئك العظماء سلمان الفارسي رضي الله عنه، الرجل الذي قطع آلاف الأميال، وجرّب الديانات، وذاق مرارة الاغتراب، حتى استقر به المطاف بين يدي الرسول ﷺ، فغدا رمزًا صادقًا في طلب الحقيقة، وعلَمًا شامخًا في تاريخ الأمة.
ولد سلمان في بلاد فارس، ونشأ في بيتٍ غارق في عبادة النار، يَسهر على خدمتها ويقدّسها كما يُقدّس الحق. لكن قلبه لم يطمئن لعبادة جماد لا يضر ولا ينفع، فبدأت رحلته الطويلة في البحث عن الدين الحق. انتقل إلى النصرانية، وخالط الرهبان، وأخذ عنهم الزهد والعبادة، لكن عينه بقيت ترنو إلى نور أصفى.
وبينما يتنقّل بين الشام والجزيرة العربية، ساقته الأقدار إلى المدينة المنوّرة، حيث أشرق الوحي على محمد ﷺ. وما إن سمع منه كلمات التوحيد، حتى انشرح صدره وأسلم، فكان من أوائل المهاجرين قلبًا وروحًا، وإن تأخّر لسانه في النطق بالشهادتين.
وقد شهد له النبي ﷺ بمكانة عظيمة حين قال: «سلمان منا أهل البيت»، فجمع له شرف الإيمان والانتساب إلى بيت النبوة بمعنى القرب والولاء. ولما اجتمعت غزوة الأحزاب، كانت مشورته بحفر الخندق هي الفاصلة في نصر المسلمين، فخلّد التاريخ اسمه مع البطولة والفطنة.
عُرف سلمان بالزهد والتقشف، فلم يركن إلى الدنيا، وكان عطاؤه كله لله، حتى حين تولى إمارة المدائن لم يغيّر ثوبه ولا مسكنه، وظل يعيش عيشة الفقراء. وكان يقول: “إني لأعجب من الذي يجزع من الموت، وقد نجا من ثلاثة: من ضيق الصدر، وضرر الدنيا، وأذى الناس”.
لقد ضرب سلمان أروع الأمثلة في الإخلاص لله والبحث الصادق عن الحق، حتى صار رمزًا لكل طالب علم وحقيقة. رحل عن الدنيا، لكنه ترك للأمة ميراثًا خالدًا من الإيمان، يذكّرها أن سبيل الحق قد يكون طويلًا، لكن نهايته نور وطمأنينة.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | سلمان الفارسي, صحابة النبي



