![]()
رينان وسياق الجدل الفكري في القرن التاسع عشر
الإسلام بين رينان والرد الحضاري.. تفكيك الشبهات وإبراز الحقيقة
رينان وسياق الجدل الفكري في القرن التاسع عشر
الإسلام بين رينان والرد الحضاري.. تفكيك الشبهات وإبراز الحقيقة
في أواخر القرن التاسع عشر، برز اسم الفيلسوف الفرنسي إرنست رينان كأحد أبرز الأصوات التي أثارت جدلاً واسعاً حول علاقة الإسلام بالعلم والعقل. جاءت آراؤه في سياق أوروبي مشبع بالتصورات الاستشراقية، حيث سعى كثير من المفكرين الغربيين إلى قراءة الإسلام من منظور ثقافي وسياسي يخدم رؤيتهم الخاصة. رينان اعتبر أن الإسلام يقف عائقاً أمام التقدم العلمي، وأن العقل في الحضارة الإسلامية ظل أسيراً للنصوص والسلطة الدينية. هذه المزاعم، وإن بدت في ظاهرها نقداً فلسفياً، إلا أنها حملت في جوهرها نزعة استعلائية تجاه الشرق وثقافته.
الرد الحضاري: الإسلام والعقل في مسار التاريخ
الرد على رينان لا يقتصر على الدفاع العاطفي، بل يقوم على إبراز الحقائق التاريخية التي تثبت أن الإسلام كان محركاً أساسياً للنهضة العلمية في العصور الوسطى. فالمكتبات الإسلامية في بغداد وقرطبة والقاهرة احتضنت علوم الفلك والطب والفلسفة والرياضيات، وأسهمت في نقل التراث اليوناني والهندي إلى أوروبا. إن فكرة أن الإسلام يعادي العقل تتناقض مع النص القرآني الذي يحث على التفكر والتدبر، ومع التجربة التاريخية التي أفرزت علماء مثل ابن سينا والرازي وابن الهيثم والفارابي. هؤلاء لم يكونوا مجرد نقلة للمعرفة، بل كانوا مبتكرين أسسوا لمناهج علمية أثرت في الفكر الإنساني كله.
الصحافة الفكرية والرد الأدبي الرصين
الرد على الشبهات التي أثارها رينان يحتاج إلى أسلوب يجمع بين الرصانة الأدبية والروح الصحفية المتحضرة. فالمقال الصحفي هنا لا يكتفي بعرض الوقائع، بل ينسج سردية متوازنة تُظهر كيف أن الإسلام لم يكن يوماً خصماً للعلم، بل كان حاضناً له. الصحافة الفكرية مطالبة بأن تضع القارئ أمام صورة شاملة: من جهة، نقد الاستشراق الذي حاول أن يصور الإسلام كدين جامد؛ ومن جهة أخرى، إبراز الوجه الحضاري الذي جعل من الإسلام قوة معرفية ساهمت في بناء أسس النهضة الأوروبية ذاتها.
الإسلام والحداثة: إعادة قراءة في ضوء المعاصرة
اليوم، وبعد مرور أكثر من قرن على جدل رينان، يظل السؤال مطروحاً: كيف يمكن للإسلام أن يتفاعل مع الحداثة؟ الرد يكمن في التأكيد على أن الإسلام ليس مجرد منظومة طقوسية، بل هو إطار حضاري قادر على التكيف مع التحولات الكبرى. إن الدعوة إلى العلم والبحث والتفكر التي يحملها النص القرآني تشكل أساساً لمشروع معرفي متجدد، يرفض الجمود ويحتفي بالعقل. بهذا المعنى، يصبح الرد على رينان ليس مجرد دفاع عن الماضي، بل تأكيداً على أن الإسلام قادر على أن يكون شريكاً فاعلاً في صياغة مستقبل إنساني يقوم على المعرفة والعدل والحرية.



