![]()
“خَمْط”.. مرارة الثمر وبلاغة العقوبة
حين يتأمل القارئ قوله تعالى: “بَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيل” [سبأ: 16]، يجد نفسه أمام لوحة قرآنية تُجسّد انقلاب النعمة إلى نقمة، وامّحاء الخضرة الوارفة والثمار الشهية، ليبقى مكانها نبات مرّ لا يُستساغ. ولعل أبرز ما يلفت في هذا السياق كلمة “خمط”، تلك المفردة التي تنوء بجرسها ووقعها الدلالي، فتشيع إحساسًا باليبس والمرارة والحرمان.
الخمط في لسان العرب هو كل ثمرٍ مُرٍّ لا لذة فيه ولا غذاء، وقيل هو الأراك خاصة بما يحمله من ثمرٍ شديد المرارة، وقيل هو كل نبات لا يُنتفع به ولا يُستطاب أكله. وقد اختير هذا اللفظ ليُصور حال الجنتين بعد أن أضاع أهلهما شكر الله واستكبروا بنعمه، فإذا بالجنان الخصبة العامرة تُستبدل بأرضٍ قاحلة لا تثمر إلا مرًّا وشوكًا.
إن للفظ “خمط” في هذا الموضع وقعًا بلاغيًّا عميقًا، فهو يُحاكي بجرسه الغليظ وصوت خائه وصرامة طائه وقعَ المرارة في الفم، كما لو أن الكلمة ذاتها تجسّد طعم ما تحمله. ومعها ذُكر الأثل، وهو شجر قليل النفع، والسدر لكنه قليل، فجاء المشهد القرآني مكتمل الظلال، يُبرز كيف تحولت الوفرة إلى قلة، والحلاوة إلى مرارة، والنعيم إلى جفاء.
بهذا اللفظ الموحِي، يرسّخ القرآن حقيقة كبرى: أن النعم لا تدوم مع الجحود، وأن الشكر هو الحافظ للخير والبركة. وما الخمط في سياقه إلا رمز صارخ لحال كل من تنكّر لعطاء ربه، فصار بعد العذوبة في مرارة، وبعد الخصب في جدب، وبعد الأمن في خوف. إنها آية تختزن في كلمة واحدة قصة سقوط أمة من علياء النعمة إلى حضيض الحرمان.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | آيات القرآن الكريم, خَمْط



