![]()
حين أساء ديورانت قراءة الإسلام
وهم الجمود ومغالطة الحضارة
منذ أن بدأت حركة الاستشراق الحديث في الغرب، توالت المحاولات لتفسير التاريخ الإسلامي وفق معايير الحضارة الغربية ومراحلها الفكرية. ومن أبرز الأصوات التي تناولت الإسلام ضمن سردٍ حضاري واسع المؤرخ والفيلسوف الأمريكي وِل ديورانت (Will Durant)، صاحب موسوعة قصة الحضارة (The Story of Civilization) التي تُعد من أوسع الأعمال التاريخية انتشارًا في القرن العشرين.
عرف ديورانت بميوله الإنسانية ونزعته الفلسفية التي تميل إلى الإعجاب بالحضارات القديمة، ومع ذلك فقد شاب عرضه للإسلام شيءٌ من الانتقائية والتحليل النفسي الثقافي الذي يجنح إلى تعميمات واسعة. من جملة آرائه التي تكررت في مواضع عدة اعتقاده بأنّ الحضارة الإسلامية توقفت عن الإبداع بعد مرحلة مبكرة من ازدهارها، وأنّ روح الاجتهاد والعقل الفلسفي قد خمدت في العالم الإسلامي منذ القرن الرابع الهجري تقريبًا.
هذه المقالة تحاول تحليل هذه الفكرة، وتفنيد الشبهة بأسلوب علمي وقراءة نقدية تجمع بين المنهج التاريخي والتحليل الحضاري.
عرض الشبهة بأمانة
يرى ديورانت أنّ ما يسميه “العصر الذهبي للإسلام” انتهى سريعًا، وأنّ تيارات الفلسفة والعلم التي ازدهرت في بغداد وقرطبة تراجعت مع تصاعد الفكر الديني المحافظ. ويربط هذا التراجع بما يراه “هيمنة فقهية” حدّت من حرية البحث العقلي، متحدثًا عن جمودٍ حضاري استمر لقرون، وهو ما يعتبره أحد أسباب تفوق الغرب لاحقًا في النهضة الحديثة.
هذه المقولة، وإن بدت في ظاهرها تحليلًا حضاريًا، إلا أنها — من منظور البحث العلمي — تعميم مفرط يهمل التنوع الزمني والجغرافي في التجربة الإسلامية، ويغفل أثر الظروف السياسية والاقتصادية التي رافقت تلك الفترات.
التحليل النقدي للشبهة
- خطأ التعميم المنهجي: لا يمكن اختزال مسار حضارة امتدت لأكثر من ألف عام في دورة صعود وانحدار واحدة. التاريخ الإسلامي حافل بموجات متعاقبة من النشاط العلمي في المشرق والمغرب، في العصور الأموية والعباسية والعثمانية.
- إغفال العوامل الموضوعية: التراجع العلمي لم يكن نتاجًا دينيًا، بل سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا. الغزوات، وتفكك السلطان المركزي، وتراجع التجارة، كلها عوامل مؤثرة لم يوازن ديورانت بينها وبين الأسباب الفكرية التي أشار إليها.
- الخلط بين النصّ والتطبيق: الإسلام كدينٍ يقوم على التكليف العقلي والنظر والاجتهاد، وقد جاءت نصوصه الكثيرة في الحث على العلم والتفكير. فربط الجمود بالدين ذاته مصادرة لا يبررها النصّ ولا التاريخ.
الردّ التاريخي والعقلي: استمرار الإبداع العلمي بعد العصر المبكر
- ازدهار متواصل: بعد القرن الرابع الهجري الذي حدده ديورانت، شهدت الحضارة الإسلامية بروز أعلام كبار مثل ابن سينا، وابن الهيثم، والبيروني، وابن رشد، والزهراوي، وابن خلدون؛ وكلّهم يمثلون امتدادًا طبيعيًا للفكر العلمي والفلسفي الإسلامي.
- المؤسسات التعليمية: لم تتوقف الحياة العلمية في بغداد أو القاهرة أو قرطبة، بل ازدهرت المدارس النظامية والجامعات الوقفية، وكانت مركزًا لنقل العلم وتطويره.
- التأثير على الغرب: لو كان الجمود شاملًا كما زعم ديورانت، لما كان للترجمات العربية أن تؤسس للنهضة الأوروبية. إنّ انتقال كتب الفلاسفة والعلماء المسلمين إلى اللاتينية كان منطلقًا حاسمًا لتطور الفكر الغربي ذاته.
- تجدد الاجتهاد الفقهي: في الفقه والكلام وأصول الدين، استمر الاجتهاد وظهرت مدارس فكرية متعددة، كالأشاعرة والماتريدية والحنابلة وغيرهم، مما يدل على حيوية فكرية لا انغلاق فيها.
تحليل العوامل التي أُسيء فهمها
- تراجع الدولة لا يعني تراجع الدين: حين سقطت بغداد سنة 1258م لم يكن السبب نصًا فقهيًا، بل انهيار منظومة الدولة والمجتمع.
- التحول من التنظير إلى التعليم: بعد مرحلة التأسيس، تحوّلت الجهود العلمية إلى صياغة المناهج التعليمية والحفاظ على التراث؛ وهذا نمط طبيعي في جميع الحضارات بعد مرحلة التأسيس.
- الخلط بين الكبح المنهجي والانغلاق: ضبط حرية البحث بضوابط شرعية لا يعني مصادرة التفكير، بل تحديدًا أخلاقيًا ومقاصديًا له.
التقييم النهائي
إنّ وِل ديورانت — رغم مكانته الفكرية وأسلوبه الأدبي البديع — قدّم قراءةً من منظور حضاري غربي يرى في التجربة الأوروبية معيارًا عالميًا للتطور، وهو ما أوقعه في اختزال التجربة الإسلامية ضمن نموذج صعود وانهيار يشبه التجربة الإغريقية.
لكن الواقع التاريخي يُظهر أن الإسلام كدين لم يكن يومًا عائقًا أمام العقل، بل كان إطارًا مرنًا موجّهًا للإبداع العلمي والمعرفي. إنّ فترات الضعف التي شهدها المسلمون لم تكن دليلًا على فشل الإسلام، بل على قصور البشر في استثمار طاقاته.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الحضارة الإسلامية, جمود العقل الإسلامي, شبهات عن الإسلام, قصة الحضارة, وِل ديورانت



