حصار عمورية..

الجيش العباسي يستجيب لنداء "وامعتصماه"

كان لفتح عمورية أثر كبير في تعزيز مكانة الخلافة العباسية في العالم الإسلامي، إذ أظهر قدرتها على حماية حدودها والرد على أعدائها بقوة، كما رفع هذا الانتصار مكانة الخليفة المعتصم في أعين المسلمين...
حصار عمورية..

حصار عمورية..

الجيش العباسي يستجيب لنداء "وامعتصماه"

شهدت العلاقة بين الخلافة العباسية والإمبراطورية البيزنطية صراعًا عسكريًا طويلًا عبر الحدود الشمالية للدولة الإسلامية، وكان هذا الصراع يتجدد بين الحين والآخر في شكل غارات أو حملات عسكرية متبادلة، وفي عهد الخليفة العباسي المعتصم بالله بلغت هذه المواجهات مرحلة جديدة من الشدة، خصوصًا بعد أن شنّ الإمبراطور البيزنطي ثيوفيلوس هجومًا على بعض المدن الإسلامية في آسيا الصغرى، فقام جيشه بتخريبها وإيذاء سكانها، وقد أثار هذا الهجوم غضب الخليفة المعتصم، فقرر تجهيز حملة عسكرية كبيرة للرد على البيزنطيين واستعادة هيبة الدولة العباسية.

سبب الحملة على عمورية

ارتبطت حملة المعتصم على مدينة عمورية بسبب مباشر، وهو ما تناقلته المصادر التاريخية عن أسر امرأة مسلمة خلال هجوم بيزنطي على إحدى المدن، حيث قيل إنها استغاثت قائلة: “وامعتصماه”، وعندما بلغ الخبر الخليفة المعتصم تأثر به كثيرًا، ورأى فيه اعتداءً على كرامة المسلمين، فتعهد بالانتقام وإظهار قوة الدولة، كما كانت عمورية مدينة ذات أهمية كبيرة؛ إذ كانت من أعظم مدن البيزنطيين ومركزًا عسكريًا مهمًا، كما أنها مسقط رأس الإمبراطور ثيوفيلوس، ولذلك اختارها المعتصم هدفًا رئيسيًا لحملته العسكرية.

تجهيز الجيش والمسير نحو عمورية

بدأ المعتصم بالله في إعداد جيش ضخم قُدِّر بعشرات الآلاف من الجنود، وجمع فيه مختلف صنوف المقاتلين من العرب والفرس والترك، كما حرص على تنظيم الجيش وتقسيمه إلى فرق متعددة لضمان حسن إدارة المعركة، وتحرك الجيش العباسي سنة 838م في حملة كبيرة نحو أراضي البيزنطيين، حيث استطاع في طريقه فتح عدد من الحصون والمدن قبل أن يصل إلى أسوار عمورية المنيعة.

وقائع الحصار وفتح المدينة

عندما وصل الجيش العباسي إلى عمورية فرض عليها حصارًا شديدًا استمر عدة أيام، حاول البيزنطيون الدفاع عن مدينتهم بكل ما يملكون من قوة، لكن الجيش العباسي واصل هجماته المتكررة على الأسوار، وبعد قتال عنيف تمكن المسلمون من إحداث ثغرة في أحد الأسوار، فاقتحموا المدينة ودخلوا إليها، وبذلك حقق المعتصم انتصارا عسكريا كبيرا على الإمبراطورية البيزنطية، وأصبح فتح عمورية من أبرز إنجازاته العسكرية.

نتائج الحصار وأثره في التاريخ

كان لفتح عمورية أثر كبير في تعزيز مكانة الخلافة العباسية في العالم الإسلامي، إذ أظهر قدرتها على حماية حدودها والرد على أعدائها بقوة، كما رفع هذا الانتصار مكانة الخليفة المعتصم في أعين المسلمين، وخلده الشعراء في قصائدهم، ومن أشهرها قصيدة الشاعر أبو تمام التي مجّد فيها هذا الفتح، وقد ظل حصار عمورية مثالًا تاريخيًا على قوة الدولة العباسية في أوج ازدهارها وقدرتها على تحقيق الانتصارات العسكرية الكبرى.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
خيانة وزير تفضحها كلمة فقيه وتودي به إلى نهاية مؤلمة
تكشف بعض القصص التاريخية كيف يمكن للمكر والخيانة أن ينقلبا على صاحبهما، وكيف قد يكون الصدق سببا في النجاة،...
المزيد »
الأدب الإسلامي المعاصر رحلة في أعماق الإنسان و تحولات المجتمع
يمثل الأدب الإسلامي المعاصر مساحة مهمة للتعبير عن قضايا الإنسان والمجتمع، من خلال الجمع بين القيمة الفنية...
المزيد »
الأخلاق الحسنة طريق المحبة وبناء مجتمع أكثر تماسكا
تمثل الأخلاق الحسنة أحد أهم الأسس التي تقوم عليها المجتمعات المستقرة، فهي التي تنظم علاقة الإنسان بغيره،...
المزيد »
مفهوم الاستصحاب وأهميته في استنباط الأحكام الشرعية
يعد الاستصحاب من القواعد الأصولية المهمة التي يعتمد عليها الفقهاء في التعامل مع المسائل التي لا يوجد...
المزيد »
مستقبل المدارس الدعوية في ظل التحولات الفكرية والتقنية
تواجه المدارس الدعوية مرحلة جديدة تفرض إعادة النظر في أدواتها وأساليبها التعليمية، مع تسارع التحولات...
المزيد »
لغة الجسد ودورها في تعزيز قوة الخطاب
لا يعتمد نجاح الخطاب على الكلمات وحدها، فطريقة الوقوف، وحركة اليدين، ونظرات العين، وتعابير الوجه، ونبرة...
المزيد »
الدعوة بالحكمة وأثرها في تقبل الناس للرسالة
الدعوة إلى الله ليست مجرد نقل للمعلومات أو عرض للأحكام، وإنما هي رسالة تقوم على مخاطبة الإنسان بما يناسب...
المزيد »
الخطاب الديني تحت الضغط في عصر السوشيال ميديا
لم يعد الخطاب الديني في العصر الحديث يتحرك داخل المساحات التقليدية التي كانت تقتصر على المسجد أو الكتاب...
المزيد »
بين الأصالة والانفتاح..
يواجه الفكر الإسلامي المعاصر مجموعة واسعة من التيارات والأفكار الوافدة التي فرضتها التحولات السياسية...
المزيد »
شبهة تعارض الدين مع العلم
تتردد من حين إلى آخر شبهة تزعم وجود تعارض بين الدين والعلم، وتقدم الإسلام باعتباره في مواجهة مع الاكتشافات...
المزيد »
رأي الإمام أحمد بن حنبل في المسح على الجبيرة وضوابطه الفقهية
المسح على الجبيرة من المسائل الفقهية التي تظهر فيها مرونة الشريعة الإسلامية ومراعاتها لأحوال المكلفين،...
المزيد »
قاعدة «المعروف عرفا كالمشروط شرطا» وأثر العرف في الأحكام الفقهية
قاعدة "المعروف عرفا كالمشروط شرطا" من القواعد الفقهية المهمة التي تكشف عن مرونة الفقه الإسلامي وقدرته...
المزيد »
«بنوك لبن الآدميات» في الشريعة الإسلامية بين الحاجة الطبية والضوابط الفقهية
أثارت بنوك لبن الآدميات جدلا فقهيا معاصرا، نظرا لارتباطها بمسألة الرضاع وما يترتب عليه من أحكام شرعية،...
المزيد »
فقه المقاصد ودوره في تجديد الخطاب الفقهي ومواكبة تحديات العصر
لم يعد تجديد الخطاب الفقهي مجرد استجابة لتغيرات الواقع، بل أصبح ضرورة لفهم النصوص الشرعية في ضوء مقاصدها...
المزيد »
سر الخلاف بين العلماء حول القنوت في صلاة الفجر
القنوت في صلاة الفجر من المسائل الفقهية التي اختلف فيها العلماء قديما وحديثا، حيث تناول الفقهاء حكمه...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك