النسوية وهدم الأسرة.. حين يتحوّل البيت من مرفأ المودة إلى ساحة صراع

منذ بداياتها الفكرية، اتخذت الحركة النسوية موقفًا متوجسًا من مؤسسة الأسرة، ورأت فيها نواة النظام الأبوي الذي قيّد المرأة عبر التاريخ. فبدل أن تُنظَر الأسرة باعتبارها موئلَ السكينة ومصدر التوازن الإنساني...
النسوية وهدم الأسرة.. حين يتحوّل البيت من مرفأ المودة إلى ساحة صراع

النسوية وهدم الأسرة.. حين يتحوّل البيت من مرفأ المودة إلى ساحة صراع

منذ بداياتها الفكرية، اتخذت الحركة النسوية موقفًا متوجسًا من مؤسسة الأسرة، ورأت فيها نواة النظام الأبوي الذي قيّد المرأة عبر التاريخ. فبدل أن تُنظَر الأسرة باعتبارها موئلَ السكينة ومصدر التوازن الإنساني، جعلتها النسوية رمزًا للهيمنة الذكورية وميدانًا للتمرد والتحرر.
لكن الإسلام، في المقابل، قدّم للأسرة أعظم نموذج للعدالة والتكامل بين الجنسين، فصان مكانة المرأة أمًّا وزوجًا وبنتًا، وجعل بناء البيت عبادة لا تُبنى على التسلّط، بل على المودّة والرحمة، كما قال تعالى:

ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة [الروم: 21].

الأسرة في الفكر النسوي: مؤسسة القيد

في الخطاب النسوي، وُصفت الأسرة بأنها أداة للسيطرة الاجتماعية تُعيد إنتاج القيم الذكورية عبر التربية والتنشئة. فالأم – بحسب هذا التصور – تُسهم دون وعي في perpetuating (استدامة) سلطة الرجل حين تُربّي أبناءها على مفاهيم الرجولة والأنوثة التقليدية.
وبذلك دعت النسويات إلى إعادة تفكيك مفهوم الأمومة واعتبار الزواج عقدًا مؤقتًا يمكن فسخه بمجرد اختلال “المساواة الشعورية”.
ومن هنا ظهرت موجات النسوية الراديكالية التي اعتبرت أن التحرر الحقيقي للمرأة لا يتحقق إلا بالتحرر من الأسرة ذاتها، لا من الرجل فقط.

الإسلام.. حين جعل الأسرة ميدان التكامل لا الصراع

أما الإسلام فقد أقام الأسرة على أصل المودة والرحمة لا على التنافس والندية، فقال تعالى:

هنّ لباسٌ لكم وأنتم لباسٌ لهنّ [البقرة: 187].

فاللباس سترٌ وزينةٌ ودفء، وهذه الصورة القرآنية تُقدّم نموذجًا للتمازج الروحي والعاطفي الذي يُبنى عليه المجتمع المسلم.
ففي حين ترى النسوية أن العلاقة الزوجية صراع قوى، يرى الإسلام أنها تكامل وظائف؛ لكلٍّ منهما طاقته ودوره الذي به تستقيم الحياة.
ولذلك كانت قوامة الرجل مسؤولية لا امتيازًا، ورعاية المرأة شرفًا لا عبودية، لأن القوامة في الإسلام قائمة على الكفاءة والتكليف، لا على القهر والاستعلاء.

من نقد السلطة الأبوية إلى إنكار الأبوة

بلغ الفكر النسوي المعاصر مرحلة من التطرف جعلته يُعلن الحرب على مفهوم الأبوة ذاته. فقد رأت بعض المدارس النسوية أن الأب يُمثل رمزًا للسلطة، وأن غيابه يفتح المجال أمام المرأة لتقرير مصيرها بحرية تامة.
وهكذا انتقلت النسوية من نقد الواقع الأسري إلى تفكيك بنية الأسرة كلها، حتى ظهرت دعوات لاستبدال الزواج بعلاقات مفتوحة، ولإلغاء الأدوار التقليدية بين الأم والأب.
وباسم الحرية الجندرية، تُطرح اليوم مشاريع قانونية في بعض المجتمعات الغربية تُتيح للأطفال اختيار هويتهم الأسرية أو القانونية بعيدًا عن سلطة الأبوين!
إنه مشروع لإلغاء النسب والهوية باسم الحرية، ومحو الفطرة باسم المساواة.

آثار النسوية على استقرار المجتمع

حين يُهدم البيت، يضيع الطفل وتنهار القيم، لأن الأسرة ليست مجرد مؤسسة اجتماعية، بل الحاضن الأول للعقيدة واللغة والضمير.
وقد كشفت دراسات علم النفس الأسري أن نسب الانتحار وتعاطي المخدرات والاضطرابات السلوكية ترتفع بحدة في البيئات التي تضعف فيها الروابط الأسرية أو يُفكّك فيها دور الأبوين.
وهذا ما يشهده الغرب اليوم بعد عقود من التجريب الاجتماعي، إذ تتصدّر المجتمعات الأكثر تحررًا معدلات التفكك الأسري والانتحار والعزلة.
إنها النتيجة الطبيعية حين يُستبدل مبدأ “السكينة” بمبدأ “الاستقلال المطلق”، وحين يُختزل الزواج في كونه صفقة عاطفية قابلة للانتهاء عند أول خلاف.

الإسلام وبناء الحضارة على الأسرة

في مقابل هذا الانهيار القيمي، يقدّم الإسلام الأسرة باعتبارها الخلية الأولى لبناء الأمة، ومصنع الإيمان والرحمة.
فالأسرة في التصور الإسلامي ليست ملكًا للفرد، بل أمانة جماعية يتقاسمها الزوجان أمام الله والمجتمع.
ومن هنا كانت الأحكام الشرعية في الزواج والطلاق والنفقة والميراث وسائل لحماية الكيان الأسري من الانهيار، لا أدوات للتمييز كما تدّعي النسوية.
إن الإسلام لم يجعل من المرأة تابعًا للرجل، بل شريكًا في حمل الأمانة، وجعل من العلاقة الزوجية ميدانًا للتكامل الروحي والعملي، لا للصراع والتنافس.
وبينما تُسقط النسوية قداسة البيت، يرفع الإسلام شأنه حتى يجعله أحبّ البقاع إلى الله حين يُبنى على التقوى والمودة.

روابط وكلمات مفتاحية
ذات صلة
خلافة غلى بن أبي طالب.. دولة العدل في زمن الفتن
جاءت خلافة الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه في فترةٍ عاصفة من تاريخ الأمة، حيث تموجت الفتن وتصادمت...
المزيد »
 النظافة في الإسلام.. رقي الذات واحترام الآخرين
في منظومة القيم الإسلامية، لا تنفصل الطهارة عن جوهر الإيمان، فهي ليست مجرد إجراء صحي أو عادة اجتماعية...
المزيد »
 خطاب الدين الحي.. من الثوابت إلى ساحة الواقع
 لم يعد مقبولاً حبس الخطاب الديني بين جدران التفسير المجرد والنقاش العقائدي المحض. لقد باتت الحاجة ملحة...
المزيد »
بين "ما يدريك" و"ما أدراك"..  دلالات الاستفهام القرآني
يأتي التعبير القرآني بصيغتين متمايزتين: "ما يدريك" بصيغة المضارع، و"ما أدراك" بصيغة الماضي. وقد أجمع...
المزيد »
بين القبيلة والإسلام.. بشر بن ربيعة الخثعمي شاعر الفروسية والإيمان
ينتمي بشر بن ربيعة إلى قبيلة خثعم، من نسل ربيعة، وقد عاش حياته متنقلاً بين ساحات القتال ومجالس الأدب....
المزيد »
بين ثبات النص وحيوية الأسلوب.. ماهية التجديد وحدوده
تُعتبر قضية "تجديد الخطاب الديني" من أكثر القضايا إثارة للجدل في الساحة الفكرية والدينية، إذ تتباين الرؤى...
المزيد »
ملامح التمييز بين المكي والمدني في القرآن الكريم
تنقسم سور القرآن الكريم إلى سور مكية وسور مدنية، لا بناءً على المكان وحده، بل وفق زمن نزول الوحي وسياق...
المزيد »
العربية.. لغة الوحي وهوية الأمة
أنعم الله تعالى على هذه الأمة بلغةٍ عظيمة، هي لغة الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم، ولغة الكتاب الكريم...
المزيد »
العربية.. لغة الوحي وهوية الأمة
أنعم الله تعالى على هذه الأمة بلغةٍ عظيمة، هي لغة الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم، ولغة القرآن الكريم...
المزيد »
الخاتم النبوي.. من رمز الرسالة إلى بئر أريس
لم يظهر الخاتم النبوي إلا بعد صلح الحديبية، حين بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم يبعث رسائل إلى ملوك وأمراء...
المزيد »
كيف قادت بشارة راهب عمورية سلمان إلى الحقيقة؟
قصة إسلام سلمان الفارسي رضي الله عنه تظلّ واحدة من أعظم الشواهد على صدق البشارات التي سبقت بعثة النبي...
المزيد »
بشارات الأنبياء بمبعث النبي الخاتم
حين رفع إبراهيم عليه السلام يديه بالدعاء، سأل ربَّه أن يبعث في العرب رسولًا منهم، يتلو عليهم آياته ويعلّمهم...
المزيد »
طلب الغيث.. صلاة الاستسقاء بين العبادة والرجاء
الاستسقاء هو التوجه إلى الله تعالى بطلب السقيا عند الحاجة إلى المطر أو الماء، وهو سنة مؤكدة تُقام حين...
المزيد »
بحيرى الراهب وملامح النبوة في طفولة الأمين
كان أبو طالب يصحب ابن أخيه في تجارته، فلما خرج في ركب إلى الشام اصطحب معه الصغير الذي لم يتجاوز الثانية...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك