![]()
النسوية الليبرالية.. حين طالبت المرأة بحرية الفرد في عالمٍ يملكه الرجل
النسوية الليبرالية.. حين طالبت المرأة بحرية الفرد في عالمٍ يملكه الرجل
في خضم التحولات الكبرى التي شهدها الغرب خلال القرن التاسع عشر، ولِدت النسوية الليبرالية كصرخةٍ تطالب بالحرية الفردية والمساواة القانونية للمرأة، لا بوصفها تمرّدًا على الطبيعة أو الدين – كما في التيارات اللاحقة – بل بوصفها مطالبةً بحقوقٍ مدنيةٍ داخل الإطار الفلسفي الليبرالي الذي أسّس له فلاسفة الأنوار.
الجذور الفكرية: من حرية الإنسان إلى حرية المرأة
انبثقت النسوية الليبرالية من رحم الفكر الليبرالي الذي رفع شعار “الحرية والمساواة”، إذ رأت أن إقصاء المرأة عن المجال العام يتناقض مع المبادئ التي نادت بها الثورات الأوروبية والأمريكية.
كانت الكاتبة البريطانية ماري وولستونكرافت من أوائل من وضعوا أسس هذا التيار في كتابها دفاع عن حقوق المرأة عام 1792، حيث طالبت بأن تُعامل المرأة ككائنٍ عاقلٍ مستقلٍّ، لا ككائنٍ تابعٍ للرجل.
ومن بعدها جاءت أسماء مثل جون ستيوارت ميل وزوجته هارييت تايلور اللذين أكدا أن حرمان المرأة من المشاركة السياسية والاقتصادية لا يقوم على منطقٍ أخلاقي، بل على إرثٍ اجتماعيٍّ ظالم.
المرأة بين التعليم والعمل
ركزت النسوية الليبرالية على إزالة العوائق القانونية أمام المرأة في ميادين التعليم والعمل والتصويت.
فقد رأت أن تحرير المرأة لا يتحقق بالانفصال عن المجتمع، بل بالاندماج فيه على أساس الكفاءة لا النوع. ومن هنا نشأت الجمعيات النسائية الأولى التي طالبت بإصلاح قوانين الملكية والزواج والتعليم، مثل جمعية حق التصويت للمرأة في بريطانيا والحركة النسائية الأمريكية بقيادة إليزابيث كادي ستانتون وسوزان أنتوني.
كان الهدف آنذاك أن تحصل المرأة على الاعتراف بإنسانيتها الكاملة داخل النظام الليبرالي نفسه، لا خارجه.
الليبرالية والتمييز بين المساواة والتشابه
تميّزت النسوية الليبرالية عن التيارات اللاحقة بأنها لم تنكر الفوارق الطبيعية بين الجنسين، لكنها اعتبرت تلك الفوارق غير مبررٍ للتمييز القانوني أو الاجتماعي.
فالمطالبة كانت بالمساواة في الفرص والحقوق، لا بإلغاء الفروق الفطرية. وقد عبّر ميل عن ذلك بقوله: “ما من سببٍ منطقي يجعل نصف البشرية خاضعًا للآخر سوى العادة القديمة.”
ولذلك ظل خطاب النسوية الليبرالية متوازنًا نسبيًا، يطالب بالعدالة ضمن حدود الحرية، قبل أن يتجاوزها الفكر النسوي الراديكالي لاحقًا إلى صراعٍ مع الهوية ذاتها.
من الإصلاح إلى التمرد
ومع دخول القرن العشرين، تحوّل الخطاب الليبرالي من المطالبة بالإصلاح إلى النقد الجذري للبنى الاجتماعية، فبدأت بعض النسويات في ربط قضايا المرأة بالنظام الرأسمالي وبالسلطة الأبوية، ما مهد لولادة النسوية الماركسية والراديكالية.
وهكذا كانت النسوية الليبرالية اللبنة الأولى التي مهّدت الطريق لمدارس فكرية متشعبة، حملت الحرية من شعارٍ سياسيٍّ إلى مشروعٍ فلسفيٍّ يعيد تعريف الإنسان والعلاقات بين الجنسين.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | النسوية الليبرالية, جون ستيوارت ميل, حق التصويت للمرأة, ماري وولستونكرافت



