![]()
الليل.. آية الراحة والسكون
في لحظةٍ يتوارى فيها ضجيج النهار خلف ستارٍ من الظلام، يطلّ الليل كضيفٍ مهيب، لا يطرق الأبواب ولا يستأذن، بل يفرض حضوره على الكون بأسره. الليل ليس مجرد غياب للشمس، بل هو لغةٌ أخرى للوجود، لغةٌ تُكتب بالسكينة وتُقرأ بالقلوب، حيث تتجلّى فيه أسرار البلاغة القرآنية وصور الشعر العربي في أبهى تجلياتها.
الليل في القرآن.. آية السكينة
حين نقرأ قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِّن فَضْلِهِ﴾، ندرك أن الليل ليس فراغًا زمنيًا، بل آيةٌ من آيات الله، يهب الإنسان فرصةً للراحة، ويعيد للنفس توازنها بعد عناء النهار. إن البلاغة القرآنية هنا لا تكتفي بوصف النوم، بل تربطه بالنهار في ثنائيةٍ بديعة، تجعل الليل والنهار وجهين متكاملين لحياة الإنسان.
الليل في الشعر العربي.. رفيق المتأملين
الشعراء العرب وجدوا في الليل مرآةً لأرواحهم، فكانوا يصفونه بالرفيق، وبالمسرح الذي تُروى فيه الحكايات وتُسكب فيه الأشجان. يقول امرؤ القيس وهو يطيل السهر: وليلٍ كموج البحر أرخى سدوله… عليّ بأنواع الهموم ليبتلي. الليل هنا ليس مجرد وقت، بل كائنٌ حيّ يتفاعل مع الشاعر، يضاعف همومه ويختبر صبره، في صورةٍ تجعل من الليل شريكًا في التجربة الإنسانية.
الليل بين السكون والحركة
الليل ليس سكونًا مطلقًا، ففيه حركةٌ خفية لا تراها العين، لكنه يترك أثرها في الروح. أصوات الرياح، خفق الطيور النائمة، وحتى صمت البيوت، كلها عناصر تشكّل سيمفونية الليل. الصحافة الحديثة حين تتناول الليل، تصفه بالمساحة التي يلتقي فيها الفرد بذاته، بعيدًا عن صخب العالم، وكأن الليل يفتح نافذةً داخلية للتأمل والمراجعة.
الليل كجسرٍ بين الماضي والحاضر
في التراث العربي، الليل كان زمن الحكايات، حيث تجتمع الأسرة حول السراج ليستمعوا إلى قصص الجدّات. أما اليوم، فقد أصبح الليل زمن الشاشات والانعزال الرقمي، لكنه رغم ذلك يظل محتفظًا بقدرته على جمع الإنسان بذاته. الليل إذن جسرٌ يربط بين الماضي والحاضر، بين الحكاية القديمة والانعزال الحديث، وبين السكون الأزلي والضجيج العابر.



