![]()
الفكر المادي
حين يُختزل الوجود في المحسوس
الفكر المادي ليس مجرد مذهب فلسفي، بل رؤية شاملة للوجود، تُفسّر الكون والحياة والإنسان من خلال المادة وحدها، وتنكر ما وراءها من الغيب أو الروح أو القيم المطلقة. وقد وُلد هذا الاتجاه في أحضان الصراع بين الدين والعلم في أوروبا، ثم تمدّد حتى صار أساسًا لكثير من الأيديولوجيات الحديثة التي غيّرت وجه العالم.
الجذور الفلسفية للفكر المادي
تعود جذور المادية إلى الفلاسفة اليونان، كـ”ديموقريطس” الذي قال إن الكون مكوّن من ذرات تتحرك في فراغ، بلا غاية ولا قصد. لكن المذهب المادي تبلور في أوروبا الحديثة مع فلاسفة القرن الثامن عشر، مثل “لودفيغ فويرباخ” الذي اعتبر الدين إسقاطًا لرغبات الإنسان، و”كارل ماركس” الذي جعل المادة أساس التاريخ والاقتصاد والمجتمع، رافضًا كل ما هو روحي أو ميتافيزيقي.
فالفكر المادي، في جوهره، ينطلق من أن الواقع الحقيقي هو المادة وحدها، وأن كل ما عداها — من فكرٍ وإرادةٍ وأخلاقٍ ودين — ما هو إلا نتاج لحركة المادة وتفاعلاتها.
المادية والإنسان.. اختزال الوجود في الجسد
ينظر الفكر المادي إلى الإنسان ككائن بيولوجي لا يختلف عن غيره من الكائنات إلا بدرجة التطور، فلا روح ولا فطرة، ولا غاية تتجاوز حدود الجسد.
ولذلك فإن القيم والأخلاق، في المنظور المادي، ليست ثابتة أو مطلقة، بل هي انعكاس لاحتياجات الإنسان المادية والاجتماعية في مرحلة معينة من التاريخ.
ومن هنا وُلدت الفلسفات التي جعلت اللذة والمنفعة معيارًا للسلوك، والمال والسلطة مقياسًا للنجاح، حتى صار الإنسان المعاصر يعيش في دوامة الإنتاج والاستهلاك، فاقدًا للمعنى، مغتربًا عن ذاته، كما تنبّه إلى ذلك بعض المفكرين الغربيين أنفسهم كـ”إريك فروم” و”فيكتور فرانكل”.
أثر المادية في الفكر الحديث
لقد تركت المادية أثرًا عميقًا في التيارات الفكرية والسياسية الحديثة:
- فالماركسية جعلت الاقتصاد المادي محور التاريخ والصراع البشري.
- والوجودية المادية أنكرت الغيب واعتبرت أن الإنسان يخلق معناه بنفسه.
- والنزعة العلمية (Scientism) بالغت في تمجيد العلم التجريبي حتى جعلته الحكم الوحيد على الحقيقة.
وهكذا تحوّل الإنسان في ظل هذه التيارات إلى كائن نَفعيٍّ بلا غاية عليا، يعبد المادة من حيث لا يشعر، وتُقاس قيمته بما يملك لا بما يكون.
الموقف الإسلامي من الفكر المادي
يقف الإسلام من الفكر المادي موقف الموازنة لا الإنكار، فهو لا يرفض المادة، بل يجعلها وسيلة لا غاية، ويؤكد أن للإنسان بعدين متكاملين: جسدًا وروحًا.
قال تعالى:
“ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ” [السجدة: 9]
فالمادة في التصور الإسلامي مخلوقة مُسخّرة، وليست خالقة أو غاية في ذاتها.
وإذا كانت المادية قد حررت العقل من سلطة الكهنة، فإنها في المقابل قيدت الروح بقيود التراب، وجعلت الإنسان يتيه في عالم بلا بوصلة.
أما الإسلام، فيقدّم رؤية متوازنة تجمع بين العلم والإيمان، بين العقل والوحي، بين العمل للدنيا والاستعداد للآخرة.
خلاصة فكرية
إن الفكر المادي، مهما تزيّن بشعارات التقدّم والعقلانية، يبقى عاجزًا عن الإجابة عن الأسئلة الكبرى: من أين جئنا؟ ولماذا نعيش؟ وإلى أين المصير؟
وما لم يستعد الإنسان وعيه الروحي، سيظل يدور في فلك المادة، يُشيّد ناطحات السحاب، ويهدم في الوقت نفسه معنى الإنسان.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | التيارات المادية, الفكر المادي, المادية الجدلية, الوجودية, تيارات فكرية



