![]()
الطفولة اللطيمة: بين بركات البادية ولوعة الفقد
الطفولة اللطيمة: بين بركات البادية ولوعة الفقد
لم تكد حليمة السعدية تضم الطفل المبارك إلى حضنها حتى ظهرت بركاته في بيتها، إذ امتلأ ثديها بالحليب بعد أن كان لا يكفي ولدها، وفاضت شياههم العجفاوات باللبن بعد أن كانت خاوية. حتى زوجها أدرك الأمر مبكراً، فقال لها في صبيحة اليوم التالي: “والله يا حليمة لقد أخذتِ نسمة مباركة”، فأجابته برجاء يملؤه اليقين: “والله إني لأرجو ذلك”. وبعد عامين من الرضاعة تم فطامه، وكان على حليمة أن تعيده إلى أمه، لكنها رأت البركات المتوالية فيه، فألحت على آمنة أن يبقى في البادية حيث الهواء النقي والفصاحة، فغلب عقل الأم على عاطفتها، ووافقت أن يظل في ديار بني سعد.
حادثة شق الصدر وتطهير القلب
بلغ الطفل أربع سنوات وهو في حضانة حليمة، وهناك وقعت الحادثة التي ستظل علامة فارقة في طفولته. إذ أتاه جبريل عليه السلام وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه وشق صدره، واستخرج قلبه، وأخرج منه علقة وقال: “هذا حظ الشيطان منك”، ثم غسله وأعاده في مكانه. لقد امتن الله عليه بهذا التطهير، كما جاء في قوله تعالى: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ، وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ، الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ، وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}. عاد الغلمان يهرعون إلى حليمة يخبرونها أن محمداً قد قُتل، فارتاع قلبها وقلب زوجها، وأعادته إلى أمه إثر ذلك.
آمنة بين ترمل مبكر ولوعة الفقد
في تلك السنوات الأربع، كانت القلوب متجهة نحو بني سعد حيث يقيم الحبيب، بينما بقيت آمنة بنت وهب في مكة، مثقلة بترملها المبكر وفقدها لزوجها عبد الله، ثم فراقها لابنها الوحيد. لم يخفف من قتامتها إلا شوق اللقاء القريب. وقد استقبلت خبر وفاة عبد الله بأبيات رثاء مؤثرة، منها:
عفا جانبُ البطحاء من ابن هاشم ** وجاور لحدًا خارجًا في الغماغم
دعتْه المنايا دعوةً فأجابها ** وما تركت في الناس مثل ابن هاشم
رحلة الوفاء الأخيرة وموت الأم
لم تنسَ آمنة ذكرى زوجها الذي تركها حبلى وسافر طلباً للرزق، ولم يُمهله القدر أن يرى فلذة كبده. حملت ابنها ومعها خادمتها أم أيمن، وقصدت المدينة لتظل على صلة بذكرى عبد الله. مكثت شهراً، ثم في طريق العودة إلى مكة، أدركها المرض في الأبواء بين مكة والمدينة، وفارقت الحياة هناك، تاركة الطفل اليتيم بين قبرين كبيرين، ووحشة لا توصف. وإذا كان محمد صلى الله عليه وسلم قد وُلد يتيماً بفقد أبيه، فقد أصبح لطيمًا بفقد أمه وهو في السادسة من عمره، يجتمع فيه اليتم والفقد معاً، ليكون ذلك جزءاً من إعداد القدر له لحمل الرسالة العظمى.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | آمنة بنت وهب, أم أيمن, الأبواء, البركة, اللطيم, اليتم, حادثة شق الصدر, حليمة السعدية, طفولة النبي, عبد الله بن عبد المطلب



