![]()
الصفح يوم الفتح: عظمة العفو في قلب النصر
كان يوم فتح مكة يومًا فارقًا في تاريخ الدعوة، يومًا تجلت فيه رحمة المنتصر وعدله، لا حقد الغالب ولا كبرياء القوة. دخل النبي ﷺ مكة متواضعًا، خافض الرأس حتى كاد جبينه الشريف يمسّ رحل ناقته، يردد: «لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده». كانت الكلمة إعلانًا للنصر، لكنها أيضًا إعلان لرسالة أعظم من النصر: أن القوة في الإسلام لا تفسد القلب، وأن النصر الحقيقي هو انتصار الروح على نزعة الانتقام.
الموقف العظيم
وقف النبي ﷺ أمام من آذوه، من حاربوه وأخرجوه، ممن وضعوا السلا أمام بابه وسخروا منه في مكة القديمة. كان الموقف مهيبًا، والوجوه متوترة تنتظر حكم المنتصر.
سألهم ﷺ: «ما تظنون أني فاعل بكم؟»، فقالوا وهم يترقبون المصير: «أخ كريم وابن أخ كريم». عندها قال ﷺ كلمته الخالدة التي خلدها التاريخ على جبين الرحمة: «اذهبوا فأنتم الطلقاء».
بهذه العبارة القصيرة أطفأ نار الانتقام التي توقدت في صدور القوم، وأرسى قاعدة جديدة في فن القيادة: أن العفو حين يكون في موضع القوة أبلغ من ألف انتقام.
قراءة في الموقف
لم يكن عفو النبي ﷺ ضعفًا، بل ذروة القوة. فقد امتلك القدرة الكاملة على القصاص، لكنه آثر الصفح لأنه أراد أن يفتح القلوب قبل أن يفتح المدينة.
تلك اللحظة كانت درسًا عمليًا في الجمع بين الحزم والرحمة، وبين سلطة الدولة وخلق النبوة. فقد جاء الإسلام ليهدي لا ليبطش، وليقيم عدلًا لا لينتقم من ظلمٍ مضى.
إن العفو هنا لم يكن تصرفًا عاطفيًا عابرًا، بل كان قرارًا استراتيجيًا نبويًا يرسّخ روح المصالحة ويؤسس لمجتمع جديد لا يحمل أثقال الماضي.
البعد الإنساني والسياسي
حين ننظر إلى الموقف بعيون المؤرخ والمحلل، نرى أنه يمثل لحظة تأسيس لمفهوم “الرحمة السياسية” في الدولة الإسلامية الناشئة. فقد وضع النبي ﷺ حدًا لدائرة الدم التي كانت سائدة في الجاهلية، وأثبت أن الحكم الإسلامي لا يقوم على الثأر، بل على الإصلاح.
كان عفوه ﷺ أقوى من السيوف التي فتحت مكة، لأن الكلمة التي أطلقها «اذهبوا فأنتم الطلقاء» لم تفتح مدينة فحسب، بل فتحت ضمائرًا كانت مغلقة، وأعادت إلى النفوس ثقةً بأن هذا الدين يحمل الخير حتى لأعدائه.
الدروس المستفادة
يعلّمنا هذا الموقف أن القيادة في الإسلام ليست استعلاءً بالقوة، بل سموًّا بالأخلاق، وأن العفو عند المقدرة هو امتحان حقيقي للنفوس الكبيرة. كما يرسّخ المبدأ القرآني الذي سبق الموقف: {ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليٌّ حميم}.
لقد جسّد النبي ﷺ هذا المعنى بأبلغ صورة، فكان العفو طريقًا للنصر، والصفح جسرًا إلى القلوب، فدخل الناس في دين الله أفواجًا، لا رهبة من السيف، بل إعجابًا بعظمة صاحب الخلق العظيم.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الرحمة النبوية, الطلقاء, عفو النبي, فتح مكة, مواقف نبوية



