الزعم بأن الإسلام ظلم المرأة في الميراث

محض تضليل وافتراء

من أكثر الشبهات التي تتكرر على ألسنة خصوم الإسلام عبر القرون، شبهةُ أنَّ الشريعة الإسلامية حرمت المرأة من حقوقها في الميراث، أو أنها جعلت الرجل مفضلًا عليها بغير وجه عدل. وقد أُعيد إحياء هذه الدعوى...
المرأة في الإسلام: تحرير لا تقييد.. رد على ادعاءات ديورانت

الزعم بأن الإسلام ظلم المرأة في الميراث

محض تضليل وافتراء

من أكثر الشبهات التي تتكرر على ألسنة خصوم الإسلام عبر القرون، شبهةُ أنَّ الشريعة الإسلامية حرمت المرأة من حقوقها في الميراث، أو أنها جعلت الرجل مفضلًا عليها بغير وجه عدل. وقد أُعيد إحياء هذه الدعوى في العصر الحديث بلباسٍ جديد، تُروِّج له تيارات فكرية تدّعي الدفاع عن المرأة بينما تُسهم في تشويه نظام الميراث الإسلامي الذي يُعد من أعظم صور العدالة التشريعية في تاريخ الإنسان.
إنها شبهة تقوم على الجهل بأصول التشريع، وعلى قراءة مجتزأة لآيات القرآن دون النظر في مقاصدها الكلية أو توازنها الدقيق بين الواجبات والحقوق.

أولًا: جذور الشبهة ومصدرها

ظهرت هذه الشبهة أول ما ظهرت في القرن التاسع عشر مع بواكير الاستعمار الغربي للعالم الإسلامي، حين سعى المستشرقون إلى تصوير الإسلام على أنه دين يَحطُّ من قدر المرأة، ليُسوِّغوا تدخّلهم بدعوى «تحريرها». وتلقّفت بعض التيارات العلمانية العربية هذه الدعوى دون تمحيص، متأثرة بالنموذج الغربي الذي سوّى بين الجنسين في كل شيء، ولو على حساب الفطرة والعدالة.
أما في القديم، فقد ردّ الصحابة والتابعون على بعض من استشكلوا حكمة التفاوت في الأنصبة، مبينين أن الميراث في الإسلام ليس تفضيلًا لجنس على آخر، بل عدلٌ يقوم على المسؤوليات الواقعية.

ثانيًا: تحليل الشبهة ومواطن الخلل فيها

يقع مثيرو هذه الشبهة في خطأين جوهريين:
أولهما أنهم يقيسون نظام الميراث الإسلامي بمقياسٍ ماديٍّ صرف، غافلين عن أن الإسلام بنى منظومته المالية على التكامل لا التماثل، فجعل لكلٍّ من الرجل والمرأة دورًا ووظيفة في بناء الأسرة والمجتمع.
وثانيهما أنهم ينظرون إلى حالةٍ واحدةٍ فقط — حين ترث الأنثى نصف نصيب الذكر — ويتناسون عشرات الحالات الأخرى التي ترث فيها المرأة مثل الرجل أو أكثر منه أو ترث ولا يرث الرجل أصلًا، كما في حالات البنات والأمهات والأخوات والزوجات.

ثالثًا: الرد الشرعي والعلمي

قال الله تعالى:

﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11].
وهذه الآية لا تعني التفضيل في القيمة الإنسانية، بل بيان نظام العدل في القسمة تبعًا للتكليف والمسؤولية؛ فالذكر مُلزَم بالنفقة على زوجته وأولاده وأهله، بينما الأنثى محفوظة النفقة والمهر والرعاية. فحكمة التفاوت هنا ليست امتهانًا للمرأة بل رفعًا للعبء عنها.

وقد أوضح الإمام القرطبي في تفسيره أن التفاوت في الميراث لا يُفهم إلا في ضوء التفاوت في الأعباء المالية، قائلاً:

“فجعل الله حظ الذكر ضعف حظ الأنثى لما وجب عليه من نفقة النساء ومؤن الأولاد.”

وقال الإمام ابن القيم الجوزية في إعلام الموقعين:

“هذا التفاوت عدلٌ محض؛ إذ الغُنم بالغُرم، والرجل يتحمّل في الحياة ما لا تتحمّله المرأة، فجعل الله له في الإرث ما يقابل ما فُرض عليه من النفقات.”

أما الشيخ الشعراوي فقد فصّل القول قائلاً:

“الذي يتأمل نصوص الميراث في القرآن يجد أن الله لم يجعل للذكر دائمًا مثل حظ الأنثيين، بل جعلها مرةً مثله، ومرةً أكثر منه، ومرةً ترث ولا يرث، وإنما قال ذلك في موضعٍ واحدٍ لحكمةٍ مخصوصة.”

رابعًا: أقوال العلماء والمفسرين

بيَّن العلماء أن نظام الميراث في الإسلام يُبنى على ثلاثة أركان: درجة القرابة، وموقع الجيل الموروث منه، والعبء المالي المفروض على الوارث.
فقال الطبري:

“الذكر والأنثى سواء في استحقاق الميراث، وإنما كان التفاوت باختلاف ما لزم كلًّا منهما من تكاليف شرعية.”
كما أكّد الإمام الغزالي أن الميراث في الإسلام قائم على مبدأ العدل الإلهي لا المساواة الشكلية، إذ ليست العدالة أن يُعطى الجميع القدر نفسه، بل أن يُعطى كلٌّ بقدر مسؤوليته وحقه.

خامسًا: الوجه الصحيح والمعنى الأصيل

إن الميراث في الإسلام ليس رقمًا يُقسَم على الورثة، بل منظومة اجتماعية متكاملة تحفظ التوازن بين الحقوق والواجبات. فالمرأة حين ترث نصف نصيب الرجل، تكون في الغالب محفوظة النفقة مكرّمة المكانة، بينما الرجل مكلّف بالإنفاق عليها وعلى غيرها. ولو كانت القسمة بالمساواة المادية المجردة لظلمت المرأة، لأنها ستتحمل تبعات لم يُكلّفها الله بها.
إنها عدالة السماء التي تتجاوز مقاييس البشر، وتُقيم الموازين على القسط، لا على الشعارات.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
خيانة وزير تفضحها كلمة فقيه وتودي به إلى نهاية مؤلمة
تكشف بعض القصص التاريخية كيف يمكن للمكر والخيانة أن ينقلبا على صاحبهما، وكيف قد يكون الصدق سببا في النجاة،...
المزيد »
الأدب الإسلامي المعاصر رحلة في أعماق الإنسان و تحولات المجتمع
يمثل الأدب الإسلامي المعاصر مساحة مهمة للتعبير عن قضايا الإنسان والمجتمع، من خلال الجمع بين القيمة الفنية...
المزيد »
الأخلاق الحسنة طريق المحبة وبناء مجتمع أكثر تماسكا
تمثل الأخلاق الحسنة أحد أهم الأسس التي تقوم عليها المجتمعات المستقرة، فهي التي تنظم علاقة الإنسان بغيره،...
المزيد »
مفهوم الاستصحاب وأهميته في استنباط الأحكام الشرعية
يعد الاستصحاب من القواعد الأصولية المهمة التي يعتمد عليها الفقهاء في التعامل مع المسائل التي لا يوجد...
المزيد »
مستقبل المدارس الدعوية في ظل التحولات الفكرية والتقنية
تواجه المدارس الدعوية مرحلة جديدة تفرض إعادة النظر في أدواتها وأساليبها التعليمية، مع تسارع التحولات...
المزيد »
لغة الجسد ودورها في تعزيز قوة الخطاب
لا يعتمد نجاح الخطاب على الكلمات وحدها، فطريقة الوقوف، وحركة اليدين، ونظرات العين، وتعابير الوجه، ونبرة...
المزيد »
الدعوة بالحكمة وأثرها في تقبل الناس للرسالة
الدعوة إلى الله ليست مجرد نقل للمعلومات أو عرض للأحكام، وإنما هي رسالة تقوم على مخاطبة الإنسان بما يناسب...
المزيد »
الخطاب الديني تحت الضغط في عصر السوشيال ميديا
لم يعد الخطاب الديني في العصر الحديث يتحرك داخل المساحات التقليدية التي كانت تقتصر على المسجد أو الكتاب...
المزيد »
بين الأصالة والانفتاح..
يواجه الفكر الإسلامي المعاصر مجموعة واسعة من التيارات والأفكار الوافدة التي فرضتها التحولات السياسية...
المزيد »
شبهة تعارض الدين مع العلم
تتردد من حين إلى آخر شبهة تزعم وجود تعارض بين الدين والعلم، وتقدم الإسلام باعتباره في مواجهة مع الاكتشافات...
المزيد »
رأي الإمام أحمد بن حنبل في المسح على الجبيرة وضوابطه الفقهية
المسح على الجبيرة من المسائل الفقهية التي تظهر فيها مرونة الشريعة الإسلامية ومراعاتها لأحوال المكلفين،...
المزيد »
قاعدة «المعروف عرفا كالمشروط شرطا» وأثر العرف في الأحكام الفقهية
قاعدة "المعروف عرفا كالمشروط شرطا" من القواعد الفقهية المهمة التي تكشف عن مرونة الفقه الإسلامي وقدرته...
المزيد »
«بنوك لبن الآدميات» في الشريعة الإسلامية بين الحاجة الطبية والضوابط الفقهية
أثارت بنوك لبن الآدميات جدلا فقهيا معاصرا، نظرا لارتباطها بمسألة الرضاع وما يترتب عليه من أحكام شرعية،...
المزيد »
فقه المقاصد ودوره في تجديد الخطاب الفقهي ومواكبة تحديات العصر
لم يعد تجديد الخطاب الفقهي مجرد استجابة لتغيرات الواقع، بل أصبح ضرورة لفهم النصوص الشرعية في ضوء مقاصدها...
المزيد »
سر الخلاف بين العلماء حول القنوت في صلاة الفجر
القنوت في صلاة الفجر من المسائل الفقهية التي اختلف فيها العلماء قديما وحديثا، حيث تناول الفقهاء حكمه...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك