![]()
الجرح والتعديل.. علم ضبط عدالة الرواة
يُعد علم الجرح والتعديل أحد أهم العلوم الإسلامية المرتبطة بتمييز صحيح الأحاديث من ضعيفها، وله مكانة مركزية في حفظ السنة النبوية ونقلها نقلاً موثوقًا، ويأتي هذا العلم ضمن علوم الرجال التي تهتم برواة الحديث، من حيث عدالتهم وضبطهم، ويُعتبر الركيزة الأساسية في علم الحديث النبوي.
تعريف علم الجرح والتعديل
يُعرّف علم الجرح والتعديل بأنه علم يُبحث فيه عن أحوال رواة الحديث من حيث القَبول أو الرّد، ببيان عدالتهم أو جرحهم، ويُعتمد فيه على أقوال النقاد من علماء الحديث الذين وضعوا قواعد دقيقة لتقييم الرواة. ويهدف هذا العلم إلى تصفية سلسلة الإسناد وتنقيتها من الرواة غير الموثوقين لضمان صحة الأحاديث النبوية.
حكم علم الجرح والتعديل في الشريعة
علم الجرح والتعديل من فروض الكفايات، إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الآخرين، وإن تركه الجميع أثِموا. وقد أجمعت الأمة على ضرورته للحفاظ على السنة، لأنه الوسيلة الوحيدة لتمييز الحديث الصحيح من الضعيف. وقد استدل العلماء على مشروعيته من قوله تعالى:
“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا” [الحجرات: 6]، وهو أصل في التثبت من رواية الأخبار.
وتكمن أهمية هذا العلم في كونه صمام الأمان للأمة في حفظ حديث النبي ﷺ، حيث يقوم بتقييم مدى صدق وأمانة وعدالة وضبط الرواة، ولا تُقبل الرواية إلا من ثقةٍ ثبتت عدالته وضبطه. كما يُعد هذا العلم مرجعًا أساسيًا في الحكم على الأحاديث، سواء أكانت صحيحة أو ضعيفة، مما يجعله من العلوم الضرورية لطالب علم الحديث والباحث فيه.
نشأة علم الجرح والتعديل وتطوره
نشأ علم الجرح والتعديل في القرن الأول الهجري، وكان في بدايته بسيطًا غير مدون، حيث اعتمد الصحابة والتابعون على معرفتهم الشخصية بالرواة. ومع ظهور الكذب على النبي ﷺ، بدأ علماء الحديث في تتبع أحوال الرواة، وتدوين أقوال النقاد فيهم.
وقد تطوّر هذا العلم في القرن الثاني والثالث الهجري، حيث ظهرت كتب متخصصة فيه مثل:
“الجرح والتعديل” لابن أبي حاتم الرازي
“الضعفاء” للعقيلي
“الكامل في ضعفاء الرجال” لابن عدي
“ميزان الاعتدال” للذهبي
وساهم هذا التوسع في وضع قواعد دقيقة للجرح والتعديل، وبيان درجات الجرح والتوثيق، وأصبح لكل راوٍ سيرة معروفة، تشمل اسمه ونسبه وبلده وشيوخه وتلاميذه وأقوال النقاد فيه.
شروط النقد في علم الجرح والتعديل
وقد اشترط العلماء لقبول الجرح أو التعديل أن يكون مفسرًا، أي أن يذكر فيه سبب الجرح أو سبب التعديل، كأن يُقال: “فلان كثير الوهم”، أو “فلان عدل ثقة حافظ”، وذلك حتى يكون الحكم مستندًا إلى دليل واضح. كما اشترطوا في الجارح أو المعدّل أن يكون عدلًا ضابطًا خبيرًا بأحوال الرواة، وأن يكون حكمه نابعًا من المعرفة وليس من التعصب أو الهوى، فعلم الجرح والتعديل هو حجر الأساس في بناء علم الحديث، به تميزت أمة الإسلام في حفظ تراث نبيها ﷺ، وبفضله نُقلت السنة نقلاً دقيقًا موثقًا. ويُعد هذا العلم من أعظم ما خدمت به الأمة الإسلامية دينها.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | أسس علم الرجال, الجرح والتعديل, رواة الأحاديث, علم الرجال



