![]()
التدرج في تبليغ الدعوة.. منهج نبوي لبناء الإيمان
التدرج في تبليغ الدعوة.. منهج نبوي لبناء الإيمان
لم تكن الدعوة الإسلامية هجمة خاطفة تقتحم العقول، ولا صدمة مباغتة تُلقي الأحكام جملة واحدة، بل كانت نهجًا ربانيًا يسير على سنّة الفطرة، يُمهّد القلوب ويُهيّئ النفوس لتلقي الحق شيئًا فشيئًا. لقد أدرك النبي صلى الله عليه وسلم أن البناء الإيماني لا يتم بين عشية وضحاها، وأن الناس بطبيعتهم يحتاجون إلى مراحل يتدرّجون فيها من ظلمة الجهل إلى نور المعرفة، ومن قسوة الشرك إلى رحابة التوحيد. وهكذا كانت الدعوة في بداياتها مدرسة صبر وحكمة، تعكس أسمى صور فقه التدرج.
الدعوة سرًا: حماية البذرة الأولى
بدأ النبي صلى الله عليه وسلم دعوته في مكة دعوةً سرية، استمرت ثلاث سنوات، اقتصر فيها على المقرّبين والخواص، ليبني نواة صلبة من المؤمنين تتحمل أعباء الرسالة. لم يكن هذا اختيارًا عابرًا، بل وعيًا عميقًا بطبيعة المرحلة، حيث لا تحتمل القلوب العامة صدمة التغيير المفاجئ، فجاءت السرية سياجًا يحمي الدعوة حتى يشتد عودها.
الجهر بالحق: مواجهة المجتمع بالرسالة
بعد أن قويت القاعدة الأولى، جاء الأمر الإلهي: “فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين“، فانطلقت الدعوة الجهرية بوضوح وثبات. هنا انتقل النبي صلى الله عليه وسلم من مخاطبة القلوب الفردية إلى مواجهة المجتمع كله، معلنًا كلمة التوحيد بلا مواربة. كان التدرج واضحًا: من بناء داخلي هادئ، إلى مواجهة صريحة، تعكس انتقال الدعوة من طور التأسيس إلى طور البلاغ العام.
التدرج في التشريع والأحكام
لم يكن التدرج مقتصرًا على مراحل تبليغ الرسالة، بل امتد إلى الأحكام الشرعية ذاتها. فالخمر لم تُحرَّم دفعة واحدة، بل جاء التحريم على مراحل، وكذلك كثير من الفرائض التي نزلت تدريجيًا، ليتأهل الناس لقبولها دون نفور أو عجز. وهكذا صار التدرج منهجًا متكاملًا يراعي قدرة المكلّفين، ويهيئهم للانتقال خطوة بخطوة نحو الكمال الشرعي.
حكمة التدرج وأثرها في الدعوة
إن التدرج لم يكن مجرد وسيلة مرحلية، بل هو قاعدة ثابتة في فقه الدعوة، تعكس رحمة الشريعة وحكمتها. فالمعلّم الناجح لا يلقي العلم جملة واحدة، بل يزرعه في القلوب كما يُزرع الغرس، يسقيه شيئًا فشيئًا حتى يشتد ويثمر. وكذلك الداعية الحقّ، يراعي مراحل النفوس، ويأخذ بأيدي الناس من حيث هم، ليصل بهم إلى حيث أراد الله لهم من نور وهداية.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | التدرج في تبليغ الدعوة, الفقه الإسلامي, فقه الدعوة



