![]()
الإمام الطبري.. إمام المفسرين ومؤرخ الإسلام
في قريةٍ وادعةٍ تُدعى آمُل عاصمة طبرستان، وُلِد في عام 224هـ/839م طفلٌ قدّر الله له أن يكون عَلَمًا من أعلام الأمة، وركنًا من أركان العلم، هو محمد بن جرير الطبري، المكنّى بأبي جعفر، رغم أنه لم يتزوج قط ولم يُرزق بذرية.
طفولة مبكرة مُدهشة
نشأ الطبري في بيتٍ يفيض بالإيمان، وتجلّت فيه علامات النبوغ منذ نعومة أظفاره. حفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، وأمّ الناس في الصلاة وهو في الثامنة، ودوّن الحديث في التاسعة. وكأن القدر يُهيئه لحياةٍ استثنائية.
ويروي التاريخ أن والده رأى رؤيا عجيبة: ابنه يقف بين يدي رسول الله ﷺ، يحمل مخلاةً ملأى بالحجارة، ينثرها أمامه. ففسّرها المعبّر قائلًا: “إن عاش ابنك، نصر دين الله، وذبّ عن شريعته”. فكانت هذه الرؤيا بشارة لطريقٍ مضيء.
رحلات في طلب العلم
لم يرضَ الطبري بعلم بلدته، بل شدّ الرحال وهو في العشرين إلى الأمصار الكبرى. قصد البصرة وجلس إلى محمد بن بشار ومحمد بن الأعلى الصنعاني، ثم ارتحل إلى الشام حيث قرأ القرآن في بيروت على العباس بن الوليد. وبعدها توجّه إلى المدينة المنورة، ومنها إلى مصر عام 253هـ، حيث أخذ عن يونس بن عبد الأعلى والربيع بن سليمان تلميذي الإمام الشافعي. ثم عاد إلى بغداد عاصمة الخلافة والعلم ليستقر بها، ويغدو أحد أعاجيب زمانه.
أخلاقه وزهده
عُرف الإمام الطبري بعفةٍ نادرة وزهدٍ عميق، فقد قال عن نفسه: “ما حللت سراويلي على حرام ولا حلال قط”، إشارة إلى طهارته وعفته. عاش من ريع أرضٍ ورثها عن والده، زاهدًا في زخارف الدنيا، منقطعًا للعلم والتأليف. وكان متواضعًا كريم الخلق، يعفو عمّن أساء إليه، ولا يتكبّر بعلمه.
مؤلفاته وآثاره
ترك الطبري إرثًا خالدًا لا تزال الأمة تنتفع به:
-
جامع البيان عن تأويل القرآن (تفسير الطبري)، وهو أول تفسير شامل مرتب جمع بين الرواية والدراية واللغة.
-
تاريخ الأمم والملوك، أوسع موسوعة تاريخية تناولت أخبار الأمم منذ الخلق إلى مطلع القرن الرابع الهجري.
-
وله كتبٌ أخرى مثل اختلاف الفقهاء، تهذيب الآثار، وآداب القضاة.
محنة ومظلومية
لم تخلُ حياته من الابتلاء؛ إذ تعرّض في بغداد لمحنة مع بعض الحنابلة، عندما ألّف كتابه اختلاف الفقهاء ولم يذكر فيه الإمام أحمد، فظنّوا أنه تجاهله عمدًا. فشغبوا عليه ومنعوه من التدريس، بل حاصروا داره، حتى اضطر أن يُدفن في بيته حين وفاته في 26 شوال 310هـ/26 أبريل 923م.
رحيله وإرثه الخالد
رحل الطبري عن الدنيا في الخامسة والثمانين، بعد أن ملأها علمًا، وترك خلفه كنوزًا لا تقدر بثمن. اجتمع على جنازته خلقٌ لا يُحصون، وخلّد التاريخ اسمه إمامًا للمفسرين ومؤرخًا للأمة الإسلامية.
لقد جسّد الطبري صورة العالِم الرباني الذي يعيش لرسالته، ويهب عمره للدفاع عن شريعة الله، ويكتب بمداد التقوى قبل مداد القلم.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | أخبار السلف, أعلام السلف, الإمام الطبري, تاريخ الأمم والملوك, تفسير الطبري, جامع البيان, علماء المسلمين, مؤرخ الإسلام, محنة الطبري, وفاة الطبري



