الشيوعية وإنكار الغيب

صدام الفكر المادي مع العقيدة الإسلامية

ظهرت الشيوعية في العصر الحديث بوصفها إحدى أبرز التيارات الفكرية التي أرادت أن تُعيد تفسير الكون والإنسان والحياة على أسس مادية بحتة، تنفي وجود الغيب...
الإلحاد في الفكر الشيوعي.. صدام مباشر مع الدين

الشيوعية وإنكار الغيب

صدام الفكر المادي مع العقيدة الإسلامية

ظهرت الشيوعية في العصر الحديث بوصفها إحدى أبرز التيارات الفكرية التي أرادت أن تُعيد تفسير الكون والإنسان والحياة على أسس مادية بحتة، تنفي وجود الغيب والإله، وتستبدل الإيمان بالعقل المادي والصراع الطبقي.
وقد قام هذا الفكر على ما يُعرف بـ«المادية الجدلية»، التي صاغها كارل ماركس وفريدريك إنجلز، وعدّاها المنطلق العلمي لفهم التاريخ والمجتمع. فالمادة – في نظرهما – هي الأصل الأول، وما الفكر والعقيدة إلا انعكاس للبنية الاقتصادية. ومن ثمّ فإن التغيير في المجتمع لا يتحقق بالإصلاح القيمي أو الإيماني، بل بالصراع بين الطبقات، حتى تزول الملكية الفردية ويعمّ ما سموه بـ«العدل الاجتماعي».
غير أن هذا البناء المادي الصرف كان يعني في جوهره إقصاء الغيب وإنكار الروح، وهو ما جعل الشيوعية في صدامٍ مباشر مع جميع الأديان، وعلى رأسها الإسلام.

الفكر المادي في مواجهة الإيمان

يرى المفكرون الشيوعيون أن الإيمان بالروح، والاعتقاد بوجود عالم غيبي، هو وهمٌ ابتدعه الإنسان حين كان عاجزًا عن تفسير الطبيعة أو احتماله للآلام. وقد لخّص ماركس هذه النظرة في عبارته الشهيرة: «الدين أفيون الشعوب»، أي أنه وسيلة لتخدير الإنسان عن وعيه المادي بواقعه.
وفي التصور الشيوعي لا وجود للملائكة ولا للبعث ولا للآخرة، فالإنسان كائن ماديّ يبدأ من المادة وينتهي إليها، ولا حقيقة وراء الجسد والفناء. ومن هنا انقطع البعد الروحي من رؤيتهم للوجود، فصار الإنسان – في فلسفتهم – ترسًا في آلة اقتصادية لا تتجاوز همومها حدود اللقمة والآلة والإنتاج.

الرؤية الإسلامية للوجود والإنسان

أما الإسلام، فله رؤية توحيدية متكاملة تجعل الله سبحانه أصل الوجود ومصدر الحياة. فهو الخالق المدبر، وكل ما في الكون آيةٌ على قدرته وعظمته:

﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: 62].
وفي هذه الرؤية القرآنية، الإنسان مخلوق مكرَّم، مكوَّن من جسدٍ وروح، لا تكتمل إنسانيته إلا حين يتوازن بين حاجات الجسد ونداء الروح. فليس وجوده مجرد مادة، بل هو خليفة في الأرض مُكلف بالعبادة والإعمار. ولذلك فإن الفكر المادي الذي يُقصي الروح ويُلغِي البعد الإلهي هو فكرٌ ناقص لا يُشبع الفطرة ولا يُلبّي أشواق الإنسان نحو الخلود والمعنى.

التباين الجوهري بين الإسلام والشيوعية

يتجلى الاختلاف بين الإسلام والشيوعية في أعمق جذور الفكر ومقاصده:

  • في العقيدة: يؤمن الإسلام بالله واليوم الآخر والغيب، بينما تنكر الشيوعية كل ذلك وتردّه إلى الوهم.
  • في الاقتصاد: يُقرّ الإسلام الملكية الفردية بضوابط العدل والرحمة، بينما تلغيها الشيوعية بدعوى المساواة المادية.
  • في القيم: يجعل الإسلام الأخلاق والإيمان أساس الإصلاح، أما الشيوعية فترى في الصراع المادي طريقًا وحيدًا للتغيير.
  • في الغاية: يسعى الإسلام إلى إعمار الأرض وابتغاء مرضاة الله، بينما تحصر الشيوعية غايتها في عدالة دنيوية مجرّدة من الروح.
التقييم الإسلامي للفكر الشيوعي

من المنظور الإسلامي، تُعدّ الشيوعية تيارًا منحرفًا في أصل فكرها لأنها تنكر الغيب وتُقصي الإيمان بالله، وتحصر الوجود في حدود المادة. وقد كشف التاريخ أن تلك الفلسفة، رغم بريق شعاراتها، لم تُنتج سوى أنظمة قمعية ألغت الحرية، وحاولت تسوية الناس بالقسر لا بالعدل، فانتهت إلى الفشل والاضمحلال.
بينما يدعو الإسلام إلى الوسطية التي تجمع بين الإيمان والعمل، بين المادة والروح، وتحقق العدالة دون أن تُلغِي العقيدة أو تهدر الكرامة. فالمجتمع في الإسلام لا يبنى بالصراع بل بالتكافل، ولا يزدهر بالإنكار بل بالإيمان.
إن الفكر المادي مهما ازدهر يبقى عاجزًا عن إرواء عطش الروح البشرية، لأن هذه الروح لا تهدأ إلا في ظلال الإيمان، ولا تجد سكينتها إلا بقول الله تعالى:

﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28].

روابط وكلمات مفتاحية
ذات صلة
خلافة غلى بن أبي طالب.. دولة العدل في زمن الفتن
جاءت خلافة الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه في فترةٍ عاصفة من تاريخ الأمة، حيث تموجت الفتن وتصادمت...
المزيد »
 النظافة في الإسلام.. رقي الذات واحترام الآخرين
في منظومة القيم الإسلامية، لا تنفصل الطهارة عن جوهر الإيمان، فهي ليست مجرد إجراء صحي أو عادة اجتماعية...
المزيد »
 خطاب الدين الحي.. من الثوابت إلى ساحة الواقع
 لم يعد مقبولاً حبس الخطاب الديني بين جدران التفسير المجرد والنقاش العقائدي المحض. لقد باتت الحاجة ملحة...
المزيد »
بين "ما يدريك" و"ما أدراك"..  دلالات الاستفهام القرآني
يأتي التعبير القرآني بصيغتين متمايزتين: "ما يدريك" بصيغة المضارع، و"ما أدراك" بصيغة الماضي. وقد أجمع...
المزيد »
بين القبيلة والإسلام.. بشر بن ربيعة الخثعمي شاعر الفروسية والإيمان
ينتمي بشر بن ربيعة إلى قبيلة خثعم، من نسل ربيعة، وقد عاش حياته متنقلاً بين ساحات القتال ومجالس الأدب....
المزيد »
بين ثبات النص وحيوية الأسلوب.. ماهية التجديد وحدوده
تُعتبر قضية "تجديد الخطاب الديني" من أكثر القضايا إثارة للجدل في الساحة الفكرية والدينية، إذ تتباين الرؤى...
المزيد »
ملامح التمييز بين المكي والمدني في القرآن الكريم
تنقسم سور القرآن الكريم إلى سور مكية وسور مدنية، لا بناءً على المكان وحده، بل وفق زمن نزول الوحي وسياق...
المزيد »
العربية.. لغة الوحي وهوية الأمة
أنعم الله تعالى على هذه الأمة بلغةٍ عظيمة، هي لغة الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم، ولغة الكتاب الكريم...
المزيد »
العربية.. لغة الوحي وهوية الأمة
أنعم الله تعالى على هذه الأمة بلغةٍ عظيمة، هي لغة الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم، ولغة القرآن الكريم...
المزيد »
الخاتم النبوي.. من رمز الرسالة إلى بئر أريس
لم يظهر الخاتم النبوي إلا بعد صلح الحديبية، حين بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم يبعث رسائل إلى ملوك وأمراء...
المزيد »
كيف قادت بشارة راهب عمورية سلمان إلى الحقيقة؟
قصة إسلام سلمان الفارسي رضي الله عنه تظلّ واحدة من أعظم الشواهد على صدق البشارات التي سبقت بعثة النبي...
المزيد »
بشارات الأنبياء بمبعث النبي الخاتم
حين رفع إبراهيم عليه السلام يديه بالدعاء، سأل ربَّه أن يبعث في العرب رسولًا منهم، يتلو عليهم آياته ويعلّمهم...
المزيد »
طلب الغيث.. صلاة الاستسقاء بين العبادة والرجاء
الاستسقاء هو التوجه إلى الله تعالى بطلب السقيا عند الحاجة إلى المطر أو الماء، وهو سنة مؤكدة تُقام حين...
المزيد »
بحيرى الراهب وملامح النبوة في طفولة الأمين
كان أبو طالب يصحب ابن أخيه في تجارته، فلما خرج في ركب إلى الشام اصطحب معه الصغير الذي لم يتجاوز الثانية...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك