![]()
النزعة الدينية في شعر أحمد شوقي
لم يكن أحمد شوقي شاعر الملوك فحسب، بل كان شاعر الأمة وضميرها، وقد تسامت قريحته في مواقف عدة حتى غدت كأنها منبر دعوي ينطق باسم الإيمان، ويرتّل معاني العقيدة في ثوب من الجمال والفصاحة. لم تكن النزعة الدينية عنده عرضًا طارئًا، بل جوهرًا أصيلًا ينبع من وجدانه الإسلامي واعتزازه بالرسالة المحمدية، ومن إحساسه العميق بأن الأدب لا يكتمل ما لم يكن خادمًا للحق والفضيلة.
الإيمان في قلب التجربة الشعرية
في عمق التجربة الشعرية لشوقي يلوح الإيمان كمصدر إلهام لا ينضب. فحين يتحدث عن الكون والحياة والموت، يبدو كأنه يعزف سيمفونية من التسبيح والخضوع لله. يقول في تأملاته الكونية:
سبحانك اللهم خير معلمٍ
علّمت بالقلم القرون الأولى
هذه النزعة التأملية التي تمزج العلم بالعقيدة كانت علامة على وعي ديني عميق، يرى في كل مظاهر الوجود دلائل على الخالق، وفي كل لحظة من حياة الإنسان تذكيرًا بمآله الأبدي. لقد كانت العقيدة عند شوقي مصدرًا للشعر، وليست مجرد موضوعٍ شعري يُستحضر للتزيين أو الوعظ العابر.
شوقي والنبي صلى الله عليه وسلم
يبلغ الشاعر ذروة الإشراق الروحي في مدائحه النبوية، ولا سيما في قصيدته الخالدة “ولد الهدى“ التي تُعد تاج الشعر الإسلامي الحديث، يقول فيها:
ولد الهدى فالكائنات ضياءُ
وفم الزمان تبسّمٌ وثناءُ
إنها ليست مجرد مدحة نبوية، بل نشيد إيماني يموج بالحب النبوي حتى لتكاد الألفاظ تتضوع عطرًا من نور الرسالة. ويظهر في هذا اللون من شعره عمق التعلق بالقدوة المحمدية، حيث يجمع بين الإعجاب بالجمال الخُلقي للنبي وبين التأمل في رسالته الإصلاحية التي أخرجت الناس من الظلمات إلى النور.
الوعي الأخلاقي والاجتماعي
لم تقف النزعة الدينية عند حدود المديح أو التأمل، بل اتخذت عند شوقي طابعًا إصلاحيًا واضحًا. فقد رأى في الإسلام قوة نهوض حضاري، ودعا إلى الأخلاق والعدل والإحسان من منطلق إيماني، كما في قوله:
إنما الأممُ الأخلاقُ ما بقيتْ
فإن همُ ذهبتْ أخلاقُهم ذهبوا
بهذا البيت، يختصر شوقي فلسفته الأدبية والدينية معًا، إذ يرى أن الأخلاق جوهر البقاء الإنساني، وأنها روح الرسالة الإسلامية التي ينبغي أن تسري في كل جوانب الحياة.
أثر القرآن والسنة في شعره
تتجلى في لغة شوقي ظلال قرآنية واضحة، فهو يستقي عباراته من معين الوحي، فتأتي ألفاظه مألوفة لدى القارئ المسلم، لكنها مشبعة بوهج الفن. ومن يقرأ شعره يجد صدىً لآيات الكتاب الكريم، وإشاراتٍ إلى المواقف النبوية التي صاغها في قوالب شعرية رقراقة.
لقد كان يرى في البيان القرآني المثل الأعلى للفصاحة، فاقتفى أثره دون أن يتكلف محاكاته، بل جعل من جماله منارًا يهتدي به في صياغة معانيه.
شوقي ودور الأدب في خدمة الدعوة
كان شوقي يؤمن بأن الكلمة الصادقة جزء من رسالة الهداية، وأن الأدب إذا خلا من الوازع الإيماني فقد روحه. ولذلك نجد في شعره صورة الأديب المؤمن الذي يرى في الفن وسيلةً للتربية الروحية لا أداة لهو أو زخرف لفظي. لقد أتاح له موقعه كشاعر الأمة أن يوجه وجدانه العام نحو الفضيلة، وأن يربط بين النهضة الأدبية والعودة إلى منابع الإيمان.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | أحمد شوقي, الأخلاق في الشعر العربي, الشعر الإسلامي, ولد الهدى



