![]()
يُغتفر في الوسائل ما لا يُغتفر في المقاصد
تُعد قاعدة “يُغتفر في الوسائل ما لا يُغتفر في المقاصد” من القواعد الفقهية المهمة التي تُظهر مرونة الشريعة الإسلامية في التعامل مع الوسائل والطرق المؤدية إلى الأحكام، دون الإخلال بمقاصدها الكبرى.
فهي قاعدة تضبط العلاقة بين الغايات والوسائل، وتفصّل في الأحكام بين ما يُقبل في طريق الوصول، وما لا يُقبل في ذات الغاية أو المقصد.
القاعدة تعني أن بعض الأمور التي تُعد مخالفة في ذاتها، أو يُتسامح فيها إذا كانت وسيلة لأمر مشروع، بينما لا يُتسامح بها إن كانت هي المقصودة بذاتها.
فالوسائل لها حكم المقاصد من حيث الجملة، ولكن من حيث التطبيق العملي قد يُتجاوز عن بعض المحظورات اليسيرة في الوسائل إذا كانت تخدم غاية شرعية معتبرة، بينما لا يُتساهل في مثل ذلك إن كانت هي الغاية نفسها.
تطبيق القاعدة في مجال الدعوة والتعليم
من أبرز تطبيقات هذه القاعدة ما يظهر في وسائل الدعوة إلى الله أو التعليم الشرعي.
فمثلًا، يُتسامح في استخدام وسائل حديثة أو مألوفة اجتماعيًا – كالمسرح أو الرسوم أو القصص التمثيلية – لإيصال المعنى الديني، رغم أن هذه الوسائل قد تُرفض في غير هذا السياق إن كانت مقصودة بذاتها لأغراض لهو أو عبث.
كما يُتساهل في بعض طرق التعليم التي قد تتضمن نوعًا من التشويق أو التكرار أو تبسيط المعاني، رغم أنها لا تُعتبر من الأساليب التقليدية، لأن المقصود هو إيصال العلم وتحقيق الفهم، وهو مقصد عظيم في الشريعة.
في مجال القضاء والشهادة
وتُطبّق القاعدة كذلك في باب القضاء، فمثلًا تُقبل قرائن وأدلة غير قطعية كوسائل لإثبات بعض الحقوق أو للتوصل إلى مقاصد العدالة، بينما لا تُعتبر هذه القرائن أدلة قائمة بذاتها إن كانت هي الغاية المطلوبة وحدها.
وهذا يُظهر مرونة الفقه في السماح ببعض الإجراءات الشكلية التي قد لا ترقى لليقين، ما دامت تخدم تحقيق العدل وهو المقصد الأعلى.
وفي الإعلام والاتصال، يجوز استخدام بعض العبارات أو الأساليب التي قد تُرفض شرعًا إذا كانت هي الغاية، ولكنها تُغتفر إن كانت وسيلة لإظهار الحق أو الدفاع عن الدين أو كشف الباطل، بشرط مراعاة الضوابط الأخلاقية وعدم تجاوز الحدود الشرعية.
مثال ذلك: يجوز ذكر شبهة باطلة في مقال أو كتاب للرد عليها وتفنيدها، بينما لا يجوز عرض الشبهة بذاتها دون نقض، لأنها في هذه الحالة تصبح مقصدًا لا وسيلة.
والفقهاء يؤكدون أن القاعدة لا تفتح الباب للتفريط أو التجاوز، بل هي تضبط استخدام الوسائل ضمن الإطار الشرعي.
فما يُغتفر في الوسيلة هو ما كان فرعيًا، جزئيًا، يُفضي إلى خير أعظم، ولا يؤدي إلى محذور شرعي أكبر.
أما إذا تحوّلت الوسيلة إلى غاية، أو كانت طريقًا للفساد، فإنها تُمنع فورًا، ويُعمل بالقاعدة الأخرى: “الوسائل لها أحكام المقاصد”.
وعليه، تعد قاعدة “يُغتفر في الوسائل ما لا يُغتفر في المقاصد” تُجسّد فقه الموازنات في الشريعة الإسلامية، وتُبرز كيف أن الإسلام دين واقعي يُراعي المقاصد العليا دون أن يُهمل الوسائل المشروعة إليها.وهي قاعدة تضبط حركة الفقيه والداعية والمربّي، وتُساعد على تحقيق التوازن بين حفظ النصوص والانفتاح على الواقع، بما يحقق مقاصد الشريعة ويُحافظ على روحها في كل زمان ومكان.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | قواعد فقهية, يُغتفر في الوسائل ما لا يُغتفر في المقاصد



