“يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ”.. مشهد العدد بين الحقيقة والإدراك

في مشهدٍ من أعجب مشاهد بدر، يصوّر القرآن الكريم لطيفةً دقيقة من لطائف الإعجاز في قوله تعالى: "قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا،...
بحران.. الغزوة التي صنعت حضوراً بلا دماء

“يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ”.. مشهد العدد بين الحقيقة والإدراك

في مشهدٍ من أعجب مشاهد بدر، يصوّر القرآن الكريم لطيفةً دقيقة من لطائف الإعجاز في قوله تعالى:
“قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا، فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ، يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ، وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ” [آل عمران: 13].
هي آية تُومِضُ فيها الحقيقة من وراء البصر، ويختلط فيها الإدراك البشري بعنايةٍ ربانيةٍ تغيّر موازين الرؤية كما تغيّر موازين القوة.

من الذي رأى العدد مضاعفًا؟

اختلف المفسرون في تحديد الفاعل في قوله: “يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ”، أهو الكفار رأوا المؤمنين مثلي عددهم؟ أم المؤمنون رأوا المشركين مثلي عددهم؟
فذهب ابن عباس والضحاك إلى أن المعنى: الكفار رأوا المسلمين مثلي عددهم، مع أن المسلمين كانوا أقلَّ عددًا منهم. وهذه الرؤية كانت إرهابًا من الله في قلوب المشركين، ليضعف يقينهم ويزرع الرعب في نفوسهم قبل اللقاء.
وقال الحسن البصري وقتادة: بل المعنى أن المؤمنين رأوا الكافرين مثلي عددهم، ليشدّ الله عزائمهم، ويختبر صدقهم في الإقدام والثبات.

مشهد بصري يتجاوز حدود الإدراك

القرآن لم يذكر الزيادة في العدد على سبيل الحقيقة المادية، بل جعلها *رؤيةً حسيةً بصريةً* فقال: “رَأْيَ الْعَيْنِ” أي رؤية ظاهرة لا لبس فيها. فالمعنى أن الله غيّر الإحساس في عيونهم؛ فصاروا يرون الأمر على خلاف ما هو عليه، ليقع التقدير الإلهي على وفق ما يشاء.
وقد جمع الرازي بين القولين فقال: يجوز أن يكون الكفار رأوا المؤمنين في بادئ الأمر مثلي عددهم فهابوهم، ثم رأى المؤمنون المشركين بعد ذلك أقلَّ منهم عدداً في أثناء القتال، فاطمأنّت قلوبهم. وهكذا كانت الرؤية في الحالين تسديدًا من الله لكل فريقٍ على ما يحقّق مقصود النصر أو الهزيمة.

تأييد النصر بتبديل المنظور

في اللطيفة معنى عجيب: أن النصر لم يكن فقط بالسيوف والرجال، بل كان بقدرة الله على *تبديل زاوية النظر*. فالرؤية هنا تحوّلت إلى سلاح نفسيٍّ يربك الكافر ويثبّت المؤمن.
يقول الزمخشري في «الكشاف»: «جعل الله تعالى رؤية الكفار للمؤمنين على خلاف الواقع؛ ليقع الرعب في قلوبهم، كما جعل رؤية المؤمنين للكفار في بدر قليلة ليقع التشجيع في قلوبهم، وكلّ ذلك من تدبير الحكيم الخبير».

حين تتحوّل الرؤية إلى آية

إنّ هذه الآية ترينا كيف يتدخل القدر في دقائق الإدراك البشري، فيجعل الرؤية نفسها وسيلةً من وسائل النصر أو الهزيمة. فليس العدد وحده هو الميزان، بل القلب والعين وما وراءهما من توفيق الله.
ومن هنا قال القرطبي: «فيها أعظم آيةٍ على أن الله يؤيد بنصره من يشاء، إذ جعل رؤية العين وسيلةً من وسائل التمكين».

وهكذا تبقى هذه اللطيفة القرآنية درسًا في أن الله هو الذي يدير المشهد من وراء البصر، يُضعِفُ الرؤيةَ متى شاء، ويقوّيها متى شاء، حتى يرى الإنسان ما يريد الله أن يريه، لا ما يراه هو بعينه.

 

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
"ذو مرة فاستوى".. وصف جبريل بين القوة وكمال الهيئة
يأتي قوله تعالى في سورة النجم: "ذو مرة فاستوى" في سياق وصف جبريل عليه السلام، ذلك الملك العظيم الذي نزل...
المزيد »
بين الجلال واللطف.. أحوال تفخيم الراء وترقيقها في علم التجويد
من بين الحروف التي حظيت بعناية خاصة لدى علماء التجويد حرف الراء، ذلك الحرف الذي يتردد بين حالتين صوتيتين...
المزيد »
ائتمام القائم بالقاعد..
تُعدّ مسألة صلاة الواقف خلف الإمام القاعد من المسائل التي تتجلى فيها مرونة الفقه الإسلامي، واتساعه لاستيعاب...
المزيد »
خطب النبي.. شبهة الإخفاء ومغالطات الطرح
تتردد بين حين وآخر شبهة تزعم أن خطب النبي صلى الله عليه وسلم لم تُنقل كاملة، أو أنها تعرّضت للإخفاء أو...
المزيد »
جماليات علم مقارنة السور والمتشابهات في القرآن الكريم
ليس التكرار في القرآن الكريم إعادةً جامدة، ولا هو عَوْدٌ إلى المعنى ذاته بغير إضافة، بل هو فنٌّ رفيعٌ...
المزيد »
عظمة الأنساق التعبيرية في القرآن الكريم
 الكلمات في فضاء البيان القرآني لا تتجاور على سبيل المصادفة، ولا تتآلف التراكيب لمجرد أداء المعنى، بل...
المزيد »
السلام.. تحية الإسلام التي تُشيع الطمأنينة وتبني جسور القلوب
مع بزوغ فحر الإسلام، غدت تحية الإ شعارًا جامعًا، وروحًا نابضة تعبّر عن هوية الأمة، وتؤسس لعلاقاتها على...
المزيد »
توجهات الفقهاء بين الاستحباب والكراهة في دعاء الاستفتاح
صحّت الأحاديث في سنّية الدعاء بعد تكبيرة الإحرام وقبل الشروع في القراءة، وهو ما ذهب إليه عامة أهل العلم،...
المزيد »
الماهر بالقرآن.. بين رفعة الحفظ وسمو المعنى
الالتقاء بكتاب الله انغماس في بحرٍ من النور، تتجلى فيه المعاني وتسمو الأرواح، خاصة عندما يكون من ماهر...
المزيد »
الخطبة المؤثرة.. تناغم صوت الداعية مع نبض الجمهور
الخطيب المؤثر لا يقف أمام الناس كقارئ جامد، بل كقائد وجداني يتناغم مع مشاعرهم. يقرأ وجوههم، يلتقط أنفاسهم،...
المزيد »
التنبؤ بموت أبي لهب على الكفر.. مشهد من الإعجاز القرآني
حين نزلت سورة المسد في بدايات الدعوة الجهرية، حملت كلماتها وقعاً شديداً على قلوب أهل مكة، إذ أعلنت بوضوح...
المزيد »
الفتح الإسلامي في فرنسا.. من أربونة إلى بلاط الشهداء
حين عبر المسلمون بقيادة موسى بن نصير وطارق بن زياد جبال البرتات بعد فتح الأندلس، بلغوا تخوم فرنسا الحالية،...
المزيد »
معركة سبيطلة.. بداية فتوحات إفريقية
بعد استشهاد الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، توقفت حركة الفتح الكبرى، ولم يبق سوى سرايا صغيرة تستكشف...
المزيد »
خلافة على بن أبي طالب.. دولة العدل في زمن الفتن
جاءت خلافة الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه في فترةٍ عاصفة من تاريخ الأمة، حيث تموجت الفتن وتصادمت...
المزيد »
 النظافة في الإسلام.. رقي الذات واحترام الآخرين
في منظومة القيم الإسلامية، لا تنفصل الطهارة عن جوهر الإيمان، فهي ليست مجرد إجراء صحي أو عادة اجتماعية...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك