![]()
يوسف عليه السلام.. دروس العفة والتمكين في أحسن القصص
يوسف عليه السلام.. دروس العفة والتمكين في أحسن القصص
حين يخاطب الله القلوب بآياته، يفتح أمامها أبواب الهداية واليقين، ويضع بين أيديها من القصص ما يثبت الفؤاد، ويعلّم الصبر، ويهدي إلى سواء السبيل. ومن بين ما قصّه رب العالمين على عباده، قصة يوسف عليه السلام، التي أفرد لها سورة كاملة حملت اسمه، وجعلها الله تعالى “أحسن القصص”، لما حوته من دقة البيان وعظمة التوجيه، من الطفولة حتى التمكين. إنها ليست مجرد سرد تاريخي، بل مدرسة ربانية متكاملة في مواجهة الفتن، والثبات على القيم، وحسن التوكل على الله.
تقديم اسم يوسف لتهيئة القلوب
افتتحت السورة بذكر يوسف قبل أي أحد: “إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ”. وهذا التقديم يهيئ نفس القارئ للارتباط بالشخصية المحورية، فيتابع رحلته منذ أول رؤياه وحتى بلوغ الملك، متعاطفًا معه، متأثرًا بمسيرته.
التعبير اللطيف عن السوء
عندما أراد الإخوة التخلص من يوسف، جاء التعبير متفاوتًا: “اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا”، ثم خفف أحدهم العبارة قائلاً: “لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ”. وهذه لطيفة بلاغية تُظهر كيف يُزيَّن الباطل في ثوب الرحمة، فيلبس الظلم لباس النصح.
كيد النساء في سياق الحكمة
قال العزيز مخاطبًا النسوة: “إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ”. وليس المراد الانتقاص، بل إبراز دقة التخطيط ودهاء التدبير حين تنحرف النفس عن الحق. فجاء السياق تحذيرًا من الفتنة، لا طعنًا في جنس النساء.
السجن أحب إلى يوسف من المعصية
قال يوسف عليه السلام: “رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ”. موقف يخلّد قيمة العفة فوق الحرية، والطهارة فوق السلامة الشخصية، وتربية ربانية على تقديم مرضاة الله على شهوات الدنيا.
حكمة في تغييب الأسماء
مع كثرة الشخصيات، لم يذكر القرآن أسماء إخوة يوسف، ولا امرأة العزيز، ليُفهم أن العبرة بالحدث والمعنى، لا بالأشخاص، وهو من أوجه الإعجاز في القص القرآني.
العفو عند المقدرة
حين مكّن الله يوسف من إخوته، لم يعاتبهم بل قال: “لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ”. إنها قمة الصفح النبوي، ودليل على أن الرحمة والعفو من أخلاق المرسلين.
ختام السورة بدعاء التسليم
بعد رحلة مليئة بالابتلاء والتمكين، جاء دعاء يوسف: “تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ”. دعاء يفيض تواضعًا وخضوعًا، يعلّم المؤمن أن التمكين لا يغني عن الافتقار إلى الله، وأن العاقبة للمتقين.
هكذا جاءت قصة يوسف عليه السلام أحسن القصص، تُعلّم الثبات في المحن، والصبر على البلاء، والعفة في مواطن الفتنة، والعفو عند التمكين، ليصدق فيها قول الله: “لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ”.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | إعجاز القرآن الكريم, العبرة في قصة يوسف, النبي يوسف, قصة يوسف عليه السلام



