![]()
يحيى بن معاذ.. زاهد أذهل الناس بورعه وكلامه
ولد يحيى بن معاذ في مدينة الري، ونشأ في بيت علم ودين، مما أثر في توجهه منذ نعومة أظفاره نحو العبادة والزهد في الدنيا. اتسمت حياته الأولى بالإقبال الشديد على الطاعات والبعد عن مظاهر الترف، وبرز منذ صغره في مجال الوعظ والتذكير بالله.
غادر يحيى بن معاذ مدينة الري إلى نيسابور، وهناك ذاع صيته كواحد من أبرز الوعاظ والمتزهدين. اجتمع عليه الناس لسماع مواعظه وكلامه المؤثر، حتى أصبح من أعلام الزهاد في خراسان. وكان له أثر واضح في التذكير بالآخرة، والتزهيد في الدنيا، والحث على محبة الله تعالى.
حكمه وكلماته البليغة
اشتهر يحيى بن معاذ بكلماته المؤثرة وحكمه البليغة، ومنها قوله: “محبة الله لا تُنال إلا ببذل النفوس، ومخالفة الهوى، وترك الدنيا”، وقوله: “العاقل من لا يترك يقينه بشكّه، ولا آخرته بدنياه”. كانت عباراته تختصر معاني عظيمة، وتدل على فقه دقيق وفهم عميق لمعاني الزهد والعبادة.
وكان من صفاته البارزة شدة العبادة والتهجد، فقد عرف بقيامه الليالي الطويلة ودوام ذكره لله، كما كان كثير البكاء من خشية الله. قال عنه معاصروه: “ما رأينا رجلًا أرق قلبًا، ولا أحسن حالًا في العبادة من يحيى بن معاذ”، وكان يرى أن الخوف من الله هو مفتاح القرب منه.
ومن أشهر مقولاته التي اشتهر بها: “إلهي، عجبًا لمن يعرفك كيف لا يحبك، وعجبًا لمن أحبك كيف يأنس بغيرك”، وقد كان يرى أن المحبة الحقيقية لله هي الأساس الذي تقوم عليه العبادة، وكان دائم الحديث عن هذا الباب، مما جذب القلوب إليه وجعل له مكانة عظيمة في قلوب المريدين والسالكين.
زهده في الدنيا ووعظه للناس
لم يكن يحيى بن معاذ يدعو للزهد بالقول فقط، بل كان نموذجًا حيًا للزهد العملي، فقد ترك المال والجاه والدنيا، واكتفى بالقليل، وكان يحث الناس على التقلل من الدنيا وطلب الآخرة. وكان يقول: “الدنيا خمر الشيطان، من سكر منها لم يفق إلا في عسكر الموت نادما مع الخاسرين”.
واحتل يحيى بن معاذ مكانة رفيعة بين أهل العلم والتقوى، حتى أثنى عليه كبار العلماء والوعاظ، فذكره أبو نعيم في “حلية الأولياء”، ونقل كثير من المؤرخين والمحدثين كلماته ومواقفه.
وقد اعتُبر من أبرز رموز الزهد في القرن الثالث الهجري، ومن القلائل الذين جمعوا بين الحكمة والعبادة والبلاغة في الوعظ.
توفي يحيى بن معاذ سنة 258 هـ، وترك أثرًا خالدًا في قلوب من عرفوه أو سمعوا عنه. لا تزال أقواله تتناقل بين الناس، ويتربى عليها السالكون طريق الزهد والعبادة. وقد بقي ذكره شاهدًا على الصدق والإخلاص في حب الله والدعوة إليه.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | أخبار السلف, يحي بن معاذ



